ستي مريم .. تلك التي هي ليست جدتي

أسير ببطء شديد خلف أمي بما يشبه الكزدرة ننزل بعض الأدراج الباطونية باتجاه منزل مصطبته المستطيلة مصفوفة أصص النباتات على جانبيها. منشارة وبعض أنواع الصبار ومجنونة اختلطت أوراقها بالدرابزين الحديدي الموضوع منذ نحو خمسة عشر عاما بعد أن اهترأ سابقه ولاكه الصدأ وبعض النعناع والريحان مزروعان في مكان متطرف من المصطبة بالقرب من الحنفية القابعة على ارتفاع قرابة ثلاثين سنتيمترا من الأرض.
ننزل ضاحكتين نتبادل قصص أحفاد أمي والمهازل التي يبدعون في صناعتها أمام القريب والغريب. نصل بابين متلاصقين أحدهما سُدّ لتصبح خلفه غرفة لأحفاد ستي مريم عندما يزورونها ويتوخون المبيت. أذكر بأنني لطالما استعذبت النزول إلى حاكورة منزلها التي كنا ننزل إليها حالما ينتهي الصف الأول من الأدراج الباطونية التي نزلتها للتو مع أمي وننحرف يسارا لنزول أربع أو خمس درجات باطونية أخرى أقل اتساعا لا تعرف الشمس تقودنا مباشرة إلى فرن الحطب. كانت مصطبتهم في ذهني ساحة حرب “فغص” البندورة وكانت الحاكورة بمثابة محرقة طبخِها أو في أفضل تقدير كانت مدفنا لصيصاننا إم الشيكل التي كنا نشتريها من جارنا الذي لا أذكر اسمه الآن ولكني أذكر بأننا كنا نقول لأمي “رايحين عند أبو طلال نشتري صوصان” فتنهانا عن شراء تلك الصيصان المريضة “المغشوشة” التي ستموت في اليوم التالي ومع أنها كانت كذلك إلا أننا لم نتوقف عن الذهاب إلى ذلك الأبي طلال وشراء صيصانه.
أزحت الباب الشبكي المثبط لغزوات الحشرات وطرقت باب منزل ستي مريم المفتوح وناديت على ابنتها وحفيدتها وسيدي عيسى زوجها إلا أن أحدا لا يجيب. اليوم عيد ولا تخلو المنازل من ساكنيها ولا تغلَق طيلة النهار. دخلتُ وأمي مسافة نص متر من الباب حيث المطبخ يميننا. استرقت نظرة سريعة إلى المطبخ فأنا لم أدخل هذا المنزل منذ سنين. أردت فتح جميع الخزائن لأبحث عن الصحون الشفافة البنية التي كانت ستي مريم تعلم قواعدها ببعض طلاء الأظافر لتعود إليها حينما ترسل فيها الحلوى والطبيخ إلى الجيران والأقرباء. قالت لي يوما عندما كنت صغيرة أعيدُ إليها أحد هذه الصحون بعدما أرسلت فيه لنا بعض “السليقة” ولا أدري من برزت أسنانه آنذاك واستدعى سلق القمح وإرساله محلّى بالقضامة والملبس لنا ولبقية المنازل في الحوش، قال لي إنها كانت تضطر للجلوس على الأرض كي تعيد الصحون إلى الخزانة ذلك لأنها كانت تضل الحافة العلوية لها والآن انظري إنها لا تصل إلى منتصفها.
أعادتني ال “أهلا وسهلا حلت البركة” الخارجة من حنجرة ابنتها إلى حقيقة أنني قدمت في زيارة عائلية للمعايدة وهذا ما لم أفعله حتى في منازل أخواتي منذ ما لا يقل عن أربعة أعوام أو ربما أكثر. صحبتنا ابنة ستي مريم إلى الصالون داعية إيانا لتناول كعك العيد والمعمول وما تجود به طاولة الضيافة أو شرب القهوة على الأقل لتجنب الحرج. كنت قد التهمت ما يفوق حاجة دزينة من البشر من الحلويات منذ صباح هذا اليوم كما وأنني أكره القهوة فأكلت تمرة محشورة بالجوز مجاملة وامتنانا. رحت أجوب بنظري حيطان الصالون أتفحص البراويز المعلقة تلك المائل زجاجها إلى الصفرة والتي يقدر عمر زجاجها بسنة على الأكثر. كنت أجلس على كنبة تكشف “المزنون” التي احتفظ أبناء وبنات وزوج ستي مريم بكتبهم المصفوفة على رفوفه إلى جانب قليل التحف القديمة التي لم تصل إليها أيدي الأحفاد وبروازا صغيرا جدا تقف فيه ستي مريم إلى جانب عروس يهودية يجانبها زوجها ثم سيدي عيسى زوج ستي مريم. تحمل ستي مريم جزدانا ترخيه على مفصل ذراعها مقابل الكوع من الداخل تلبس فستانا أسود توشحه رسوم ذهبية وخمرية براقة. ليس للبرواز الصغير هذا زجاج لكنه لما يزل صامدا ولو طلت طبقة من الغباش صفحته. على الحيطان التي لا يغطيها “المزنون” براويز كثيرة احتجت للوقوف كي أتمعن فيها جميعا وكي أستطيع التوقف أمام تلك المثيرة للاهتمام منها أطول وقت ممكن. فلمَ تهمني صورة أبناء ستي مريم الخمسة واقفين ولو مات أحدهم منتحرا؟ لم سيثير اهتمامي برواز يغلف لوحة مرسومة لابنتها بالرصاص؟ كانت الكنوز المعلقة على الحيطان أكثر عمقا وجمالا من هكذا براويز.
انتظرنا ستي مريم حتى فرغت من صلاتها جاءت متعبة ثقيلة لكنها أبدت الكثير من حسن استقبال الضيوف خاصة وأنا أعلم بأنها تحب أمي كثيرا فهما جارتان منذ تزوجت أمي أي منذ 42 عاما. قالت لي أمي مرة إنها جاءت برفقة جدتي وأخوالي الكبار إلى عرس سيدي عيسى وستي مريم وبأنها تذكر بأن زوجة خال أبي وكانت صبية صغيرة آنذاك كانت تمثل في الأعراس. استفهمت مستغربة هذه الحكاية العجيبة فقالت لي إنها كانت تبدل ملابسها وتقوم بدور الحصّاد أو العروس أو أي دور يطلب منها. عندما جاءت ستي مريم كنت أقف أمام أحد البراويز حيث لم أخفِ سعادتي حينما رأيته للوهلة الأولى وقمت بسؤالها مباشرة عن ذلك اليوم الذي أخذت فيه الصورة لها ولسلفاتها الأربع وحماتها التي تتوسط الصورة جالسة على كرسي تتفتق الهيبة من معالم وجهها القاسية الصلبة تقف خلفها كنائنها إحداهن جدتي والدة أبي تقف إلى جانبها عمتي التي تبدو غريبة بشعرها الأشقر رغم انعدام الألوان في الصورة. كان هذا يوم عرسها فكيف ستتوفر كاميرا لتصوير العائلة في يوم عادي أصلا؟ كانت ستي مريم ترتدي ثوبا أبيض يصل إلى ما فوق جوزة قدمها بقليل، ثوب شيق عند الخصر يبدأ بالاتساع والانتفاخ ابتداء من الزنار فما تحت. كانت تحمل بيدها جزدانا تعلقه بين بيدها وخصرها التي أسندتها عليه. تلبس جوارب بيضاء تحت كندرة يستعصي تمييز لونها تضع على رأسها غطاء أبيض يغطي ثلث شعرها كحد أقصى. سلفاتها وحماتها كذلك يغطين ثلث شعورهن أو نصفها بحطّات بيضاء مرخية فوق الرؤوس غير مشدودة ومثقوبة بعشرات الدبابيس والمشابك كما تفعل صبايا اليوم. حتى ستي عايشة حماتها يظهر نصف شعرها الأبيض من تحت شال أخمن بأنه أخضر.
كانت ابنة ستي مريم تجلس مقابلي تنظر إلي بحذر لم أفهمه إلا عند فوات الأوان حين كنت قد وصلت للسؤال عن الصورة المحظور السؤال عنها. قلت بغباء كبير مشيرة إلى الصورة على الحائط فوق باب الصالون نحو اليسار قليلا “ستي مريم أنو هذا الزلمة؟” رمقتني ابنتها وكذلك أمي بنظرات موبخة ففهمت بأني عكّيت. قالت ستي مريم “هاظ العبد” وسكتت. استمر الصمت نحو عشر دقائق كانت تقطعها كلمات ابنة ستي مريم حث أمي على المكوث إذ حاولت مرات أن تنهض لنعود إلى البيت أو نستكمل لفة المعايدات على بقية منازل العائلة في الحوش. بعد عشر الدقائق المقيتة التي مرت قالت ستي مريم ” هاظ أخوي العبد” قلت لها “الله يرحمه” دون أن تخبرني قصته أو أنتظر توضيحا من الحاضرات بأنه توفي حين كان يبلغ الثامنة والعشرين من العمر. غريب هذا السن فقد كان سن وفاة عمي كذلك قلت في نفسي وصمتت انتظارا لأي زفرة أو كلمة طائشة من ستي مريم. ما حدث كان مفاجئا.
“بكينا مروحين من الخضيرة قلتله عيسى ميل على أهلي تا نشوفهم قال عيسى هسا الدنيا حم يا مريم خلينا نروح على دارنا وبنيجي عليهم بالليل
كلتله لا يا عيسى بدي أروح أشوف أهلي
قربنا على الدار لاكيت إمي بتكول هيچ بالتراب على راسها والناس بتكول العبد العبد
أنا بعدني مش عارف شو صار للعبد
كالولي وكع عن العمارة
مات العبد
رميت حالي تحت سيارة من هظول السمتريلات وصرت أعفر حالي بالتراب
عيسى أجا يكيمني عن الأرظ كلتله بدي أروح عند العبد
أخوي هاظ بقى واحد على أربع خوات وإمي جوزته صغير عشان يخلف بسرعة ويچثر ولاد العيلة
كلتلها يا حنيفة وين العبد
كالتلي العبد راح”
أنهت ستي مريم كلماتها هذه بصوت مهشم كمن فقد أخاه للتو وزخت دموعها من عينيها اللتين نفخهما الزمن مخلفا وسادتين تحت الرموش وفوقها. دموعها زخت من عينيها المكحولتين رغم الانتفاخ الحائل دون تمييزها كحلهما للوهلة الأولى. قال “شو بده يسوّي الواحد يا حبيبتي؟”. اعتذرت منها ومن الحاضرات إذ كانت أمي تبكي ذلك البكاء التضامني النسائي الذي لا أعرف له قوانين أو معايير.
كانت ستي مريم كعادة أهل بلدنا وربما أهل فلسطين جميعا قد زارت المقابر بعد صلاة العيد وشحنت نفسها بالمزيد من الحزن على ابنها وأخيها وأمها وكل من خلّفوا ثقوبا في قلبها المتعب. قالت ابنتها إن أطفالا كانوا يرافقون أباهم إلى المقابر يبكون فوق الحجارة التي تخفي أمهم قالت
“إحنا شعب بعرفش ينبسط
أصلا هاظ حرام
النبي النبي نفسه قال جاهروا بالفرح يوم العيد”
عليه الصلاة والسلام قلتُ وقالت أمي
انسحبنا برفق تتبعنا ابنة ستي مريم إلى الباب دون أن تنسى “كل عام وانتو بخير وصحة وسلامة” ثانية
نظر إليّ مرة أخيرة وقالت “ابقي تعالي يا ثمينة إمي بتحبك”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s