المثقف والسلطة- انطباع وتساؤلات

تأتي هذه التدوينة في إطار مبادرة “نادي القراءة العربي الإلكتروني” والتي يشارك فيه عدد من المدونين حيث نقرأ كتابا كل أسبوع ونحاول إثارة نقاش حوله في مدوناتنا

ربما تأتي صعوبة الانسجام مع النصوص المترجمة من إحساسنا بخيانة لغة ما أو نص كتب بلغة ما اختار كاتبه مصطلحات وأفعالا دون غيرها لأنه فكر مطولا قبل أن يرسي رأيه على هذا التعبير بعينه. فما بالكم حين يكون كاتب هذا النص كثير التركيب كشخص ومعقد الجمل طويلها في صياغاته كإدوارد سعيد؟

لقد كتبت دراسة قصيرة في إطار دراستي لتاريخ الإسلام والشرق الأوسط عن كتاب الاستشراق لإدوارد سعيد ولم تكن مهمة سهلة أبدا فقد اضطررت لقراءة الكتاب بالإنجليزية لأنني شعرت طيلة قراءتي له بأن الترجمة تخونه مرات ليست بالقليلة. ثم جاء بعدها تحليل جزء عيني من الكتاب ومقارنته بالنقد الذي استشرى حوله ومحاولة “الانحياز” لموقف مع الكتاب وضده.

لن أخوض في تحليل كتاب “المثقف والسلطة” هنا لئلا أقع في تحويل هذه التدوينة لدراسة مملة خصوصا وقد كتب أهل الاختصاص عن هذا الكتاب وغيره من مؤلفات إدوارد سعيد ما يفوق ويتفوق على تدوينة مختصرة.

سأدرج هنا اقتباسا للمقطع الأشد عمقا برأيي في هذا الكتاب والأكثر إشغالا بالنسبة لي في هذا الوقت تحديدا ثم سألحقه ببعض التساؤلات وانطباع أخير. لن يضير اقتطاع النص من سياقه هنا ففي نيتي استخدام الفكرة في سياق إضافي.

“ولكن المثقف تحاصره دائما وتتحداه بلا هوادة مشكلة الولاء. فكل منا وبلا استثناء ينتمي إلى لون ما من الجماعات القومية أو الدينية ومن المحال على أحد منا، مهما يبلغ حجم احتجاجاته أو إنكاره، أن يقول إنه قد ارتفع فوق الروابط الحيوية (العضوية) التي تربط الفرد بالأسرة وبالمجتمع وبطبيعة الحال بالقومية كذلك. فإذا كان الأمر يتعلق بجماعة نشأت من عهد قريب أو تعرضت للحصار- قل مثلا البوسنيين أو الفلسطينيين اليوم- فإن الإحساس بأن شعبك يتهدده الفناء أو الانقراض السياسي بل والمادي فعلا يلزمك بالدفاع عنه وبأن تفعل كل ما في طاقتك لحمايته أو للقتال ضد أعداء الأمة. هذه وطنية “دفاعية” بطبيعة الحال ومع ذلك فعلى نحو ما قاله فرانتس فانون في تحليله للموقف في إبان ذروة حرب التحرير الجزائرية (1954- 1962) ضد فرنسا، لا يكفي الانسياق وراء الجوقة التي تعلن رضاها عن الوطنية المعادية للاستعمار ممثلة في الحزب والقيادة، فمسألة الهدف تبرز دائما حتى في خضم المعمعة وتقضي بتحليل الخيارات المتاحة. ترانا نحارب من أجل تحرير أنفسنا من الاستعمار فحسب وهو هدف لازم أم ترانا نفكر أيضا فيما عسانا نفعله بعد أن يرحل عن أرضنا آخر شرطي أبيض؟

يبدو لي مما اقتبسته آنفا أن ما يصر المثقفون والإعلام على تسميته بالحيادية ممارسة صعبة التحقيق ولو توخى المثقف تحقيقها ونزع إلى الالتزام بها. فكيف يستطيع مثقف عربي على سبيل المثال اعتماد “الحيادية” في تحليله لثورات اندلعت دونما تهيئة واضحة للعيان تحاول قلب مجتمعه قبل نظام بلاده؟ ولو أن المثقف الذي لم يستشعر تغييرا قادما لا يعيش في الواقع إلى حد كبير. وهل يختلف الخوض في مستويات الحركة النسوية المتعددة ونشاطها من مثقفة عربية أبسط سمات مجتمعها سلطة الذكورة المخلوطة بالدين إلى مثقفة تحرر مجتمعها من هذه السلطة؟

لا أرى حيادية المثقف خدمة لنتاجه خصوصا وأن ارتباطه بمجتمعه أو عزوفه عنه يشكلان دوافع لا يستهان بها للإنتاج والتعمق في المجتمع نفسه لسبب بديهي وهو “إنتاج” هذا المجتمع للمثقف نفسه حتى لو كره هو ذلك. أعتقد بأن الولاء الذي يتحدث عنه إدوارد سعيد يصب في مصلحة تطوير المجتمع الذي يعالجه المثقف سواء انتقده أو أظهر محاسنه من منطلق الارتباط بالمجتمع وحميمية هذا الارتباط المتمثلة بالعائلة. لكن المأزق الذي أفترض بأن إدوارد سعيد يلمح إليه في النص هو الولاء في حالات الخطر الذي يتهدد المجموعة التي ينتسب إليها المثقف فتقلل هذه الأخطار من حياديته وتدفعه للحفاظ على هذا المجموعة بشتى الطرق ولو بالغ في هذا الأمر.

هل يعتبر ارتباط المثقف بمجتمعه أو ما يحلو للبعض تسميته ب”النزول للشارع” كفيلا لإعلاء شأنه ومصداقيته لدى هذا المجتمع أم أن لا علاقة لاحتكاكه بالأحداث اليومية حتى المثيرة للجدل منها بارتباطه ووعيه تجاه هذا المجتمع؟ ربما يشغلني هذا السؤال مؤخرا بسبب مواقف شديدة الاستفزاز اصطدمت بها ممن ارتبطت كلمة مثقف في ذهني بهم لفترة طويلة كأدونيس على سبيل المثال كذلك بسبب اتهامات المثقفين بمحاكاة بعضهم البعض وقلة ارتباطهم بالشارع كما يتهم مثقفو مصر الآن.

عن المبادرة اقرأوا هنا: http://bit.ly/HmUU8z

الأوسمة: ,

2 تعليقان to “المثقف والسلطة- انطباع وتساؤلات”

  1. نادي القراءة العربي الالكتروني #ebookclub « Says:

    […] ثمينة الحصري […]

  2. Palestine Youth Voice Says:

    رائع…
    أنا شخصياً أعتقد أن ارتباط المثقف بالمجتمع ضروري، فمن أهم ما يميز المثقف هو ملكته في فهم المجتمع والتي يبني على أساسها آراءه وأفكاره. طبعاً المثقف ليس فقط الكاتب فهو يشمل العديد من ضمنهم رسامي الكاريكاتر، فمثلاً كيف لناجي العلي أن يبدع ويعكس في رسوماته أفكار الشعب الفلسطيني إذا كان قليل الاحتكاك بالشارع. فقدرته الفذة في صناعة كينونة لتلك الافكار من خلال رسوماته هي منطلقة بالأساس من حقيقة احتكاكه المتواصل باللاجئين.
    اعتقد أن أسوء حالة قد تصلها الطبقة المثقفة في المجتمع هو خلق هالة حولها أو فقاعة تمنعهم من رؤية الواقع أو فهمه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s