نحن أحق بالعدل من كسرى

“أنا مش زي مش أنا” (طفل مقدسي لا أعرف اسمه)

على الأرجح أن الاسطوانة المكررة القائلة بأن “على من يريد تحديد مستقبله أن يعي ماضيه” أشعرتنا بالملل الشديد ربما لتكرارها دونما تمعن أو لمجرد استخدامها في غير موقعها أو لعلنا نتهرب من تصديقها لئلا يتعبنا البحث أو يصدمنا غنى التراث.

حين تمر بما يُعرف اليوم بحي الألمانية أحد أحياء ما يُسمّى بالقدس الغربية وتتوقف أمام مدخل مبنى متواضع حفر على أعلى بابه بخط أقرب للديواني “سبحان الله الواحد القهار”، يدهشك تماسكه رغم البار (الكاشير لمهدرين) القابع على يمينه كأيقونة احتلالية تنسجم مع كميات الشراشيب الهائلة المتدلية تحت قمصان ذوي السوالف كمجسات ترصد كل ما هو غير يهودي. كثيرا ما شت فكري وتخيلت واحدا من جماعة السوالف أو معتمري أنصاف الكرات على الرؤوس يراقب ذلك الباب متجهما حين يفكر في طريقة يفسد بها الحروف الصامدة فوقه ربما بمفتاح سيارته أو بمفك يخبئه تحت القميص ويلفه بإحدى الشراشيب إياها.

إن أكثر ما يؤلمني هو إهمال الآثار الإسلامية والعربية في بلادنا ومشاهدة كتابات تتآكل يوميا أو يفسدها الأطفال بلعب الكرة أو “بواريد الحَب” دون أن يقض ذلك مضجع دائرة الأوقاف ويثير حفيظتها. لا يمكنني اتهام دائرة الأوقاف وحدها بإهمال الآثار فالسلطات الإسرائيلية لاسيما ما يُسمى ببلدية القدس تقف بالمرصاد لكل تحرك يهدف لحفظ حجر إسلامي عربي أو فلسطيني واحد، لكنني أتهمنا جميعا.

لا يخفى على أحد منا أن الصهيونية بجميع فروعها وتلك التي تحولت دولة تحاول منذ ما قبل النكبة طمس كل ما هو ليس يهوديا على أرض فلسطين حتى لو اضطرت أن تخترع آثارا يهودية مفترضة أو تعمدت إخفاء الآثار الإسلامية العربية المكتشفة. هذه معركتنا الأولى ولسنا بحاجة لتشغيل عقولنا كثيرا كي نحدد أولوياتنا لكن الألم والشعور بالعجز الحقيقيين ينبعان من إهمالنا نحن وتركنا لتراثنا مرتعا للغرباء. لست متحجرة ولا عنصرية ولا أرفض انتشار ثقافتي وديني وتراثي وتحويلها لمادة خام لدراسات الآخرين لكن الأمر الذي لا نعيره اهتماما هو عزوفنا نحن عن تراثنا وتعلقنا بالقشور التي تضمن للفرد هدأة روحانية ما لكنها لا تقدم الكثير لنا كشعب ذي ثقافة أقل ما يقال عنها إنها امتدت من شرق المعمورة إلى غربها.

بعيدا عما نراه بأعيننا في القدس القديمة من جدران ومبان تحمل عبقرية المهندسين المملوكيين وحرفية فناني العصر الأموي، وعلى رفوف المكتبات وفي أدراج الباحثين تُخزن مخطوطات إسلامية عربية لفترات وجيزة تنتظر باحثا حاد البصر وغالبا يؤمن بالأجندة الاستشراقية ويحفظ توجهاتها عن ظهر قلب. تمتلك المكتبة “الوطنية الإسرائيلية” في القدس أكثر من ألف مخطوطة إسلامية تتباهى بعرضها كل سنة وبطرق وصولها من الدول العربية والإسلامية لدولة العدو الأولى، فكيف وصلت هذه المخطوطات وهل المال ذريعة كافية للتبرؤ من ثقافة كاملة وإهدائها للمعني الأول بإتلافها أو إخفائها.

أنا لا أدعي أن كل الباحثين يخدمون أنظمتهم ولا أفترض أنهم يفتقرون للمهنية لكن تاريخ الاستعمار القريب جدا والذي لعب فيه المستشرقون دورا هائلا في تكريس الاستعمار كافٍ لإثارة شكوكي في نية بعض الباحثين فعن طريق برنارد لويس وهيو كنيدي ويتسحاق جولدتسيهر ولويس ماسينيون يتعرف العالم على تاريخنا.

البيضاء والدة سيبويه والحلاج…. أم نقول ديرنبرج وماسينيون؟

قواعد اللغة العربية بين النحو والصرف تُعتبر من أهم أعمدة ثقافتنا حيث بُنيت وتطورت اللغة العربية شبه خالية من الشواذ إذ يتبع دارسها منطقا واضحا متماسكا منذ وثقه عمرو بن عثمان بن قنبر البصري المعروف بسيبويه في كتابه “الكتاب”. لقد قام هارتويج ديرنبرج المولود في فرنسا بتحرير مخطوطة الكتاب لأول مرة عام 1881 أي قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية بأقل من نصف القرن. في عام 1889 صدر “الكتاب” بطبعة بولاق دون محرر إذ تطابقت مع نسخة ديرنبرج وزيد عليها شرح لأبيات الشعر التي تظهر في “الكتاب” بشرح الشنتمري (من سانتا ماريا).

لقد توفي سيبويه في نهاية القرن الثامن للميلاد\ نهاية القرن الثاني للهجرة بعد أن وصلت قواعد اللغة العربية إلى قمة تطورها وتماسكها بفضله وبفضل علماء لا يقلون أهمية عنه مثل معلمَيْه الخليل بن أحمد وأبي عمرو الأخفش وغريمه الكسائي. لكن وفاة سيبويه لم تكن حادثة عادية فقد مات مغتاظا مقهورا بعد منافسة بينه وبين الكسائي بما يعرف بالمسألة الزنبورية لأن الكسائي وببساطة قام برشوة مصدر المعلومات محل الثقة بالنسبة لسيبويه وهم العرب متحدثو اللغة الأصليين غير المستعربين، وهذا هو مربط الفرس. فهل يفقه الأجنبي لغتنا أكثر منا ونحن مصدرها، أم أن علينا أن ننتظر لعام 1999 ليصدر إميل بديع خيري طبعة جديدة للكتاب أكثر ما يميزها الأخطاء. لماذا يتوجب عليّ في القرن الحادي والعشرين تعلم قواعد لغتي مباشرة من فم الفرنسي؟

أخرجت لنا البيضاء في منتصف القرن العاشر للميلاد \ منتصف القرن الثالث للهجرة، الحسين بن منصور الحلاج المثير للجدل، وبعيدا عن هذا الجدل والاتهام بالكفر أو التقديس تظهر أهمية الحلاج كمتصوف صاحب نهج خاص وجالب لنظرية الحلول للثقافة الإسلامية بصرف النظر عن رفضها من قبل العلماء. قام لويس ماسينيون المولود في فرنسا بتحرير ونشر مخطوطة “ديوان الحلاج” والتي حوت أخباره وطواسينه وديوانه عام 1922 واعتبرت بعض الدول العربية ماسينيون شيخا إسلاميا بصفة رسمية. لكن الحلاج مات بعد أن قُطّعت أوصاله وأُعدم علانية كرد فعل على حريته في التفكير وطريقته في العبادة وتهديده لمسلّمات السواد الأعظم من المؤمنين إلا أن التهديد الأكبر كان من نصيب السلطة.

فهل مات سيبويه مقهورا وأعدم الحلاج مصلوبا مقطع الأوصال كي يشتهر المستشرقون؟

علينا الكف عن النظر إلى تراثنا بعيون المستشرقين وإعادة طباعة مؤلفات أهم مفكرينا عن نُسخهم لئلا نستمر في قراءة تاريخنا بأدواتهم وعالم اصطلاحاتهم الذي لم يرسخ سوى الأفكار المسبقة إلا من رحِم ربي. ليس هناك مانع جدي لإعادة تحرير مخطوطاتنا من مصدرها الأصلي خصوصا إن توفرت عدة نسخ من مناطق مختلفة، وإن كان المستشرقون قد حصلوا على هذا الكم الهائل من المخطوطات فلن يضيرنا الحصول عليها بدورنا.

إن تراثنا ملك للبشرية جمعاء لكن واجبنا كأبنائه حفظه ونقله بمصداقية عالية وتعريف العالم عليه كما ينبغي حين يحركنا تقديرُ هذا التراث وانتماؤنا إليه ولا تحركنا مصالح سلطوية أو انتماءات طائفية ضيقة. لا أنكر أن ظروف ومصالح الاستعمار قد سهلت على المستشرق الوصول للمخطوطات واحتكار تحريرها لكننا نعيش اليوم ظروفا مختلفة تماما فرغم تهميش ثقافتنا وإعادة النظر إليها نظرة فوقية (تارة بما يحلو لنا تسميته بالهجمة على الإسلام وطورا بدراسات إقصائية في مؤسسات الدراسات العليا في العالم) لمّا نزل نمتلك ما تبقى من تراثنا كما استطاع عدد ولو قليل من علمائنا ومثقفينا المعاصرين إعادة قراءة تاريخنا وثقافتنا بعيوننا نحن.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s