فتاوى راكعة للحكام

“بقولوا إنه أوقات التاريخ بعيد نفسه… لكن نحنا تاريخنا مدري شو قصته… بضل يعيد نفسه”

                                                                                                (زياد الرحباني)

كانت علاقة السلطة الحاكمة بالممسكين بزمام توجيه الخلق نحو الحلال وثنيهم عن الحرام وثيقة وثابتة لا يشوبها انقطاع أو سوء فهم، ابتداءً من السنة الثالثة والعشرين لهجرة الرسول الكريم حتى لحظتنا هذه. لا فرق إن سُخّرت هذه العلاقة لخدمة الأمة أو للسيطرة المطلقة عليها وقمعها وهي المصلحة الأكثر حضورا في تاريخ الإسلام باختلاف حكامه واختلاف أعراقهم و قربهم من الدين أو تنازلهم عنه حبّا.

أخذت هذه العلاقة في أيامنا طابعا أكثر عملية وأشد انزلاقا وبعدا عن وظيفة العالم الأخلاقية قبل التأويلية والتشريعية واكتسب ألقابا جديدة كرجل الدين مثلا وما هو إلا أداة رخيصة في يد الحاكم يحل الحرام ويحرم الحلال بصرف النظر عن إرادة الأمة ومتطلباتها. فلا رجالَ دينٍ في تاريخ الإسلام حيث لم تذكر المصادر هذه التسمية بتاتا، بل كُني المختص بالنص وتأويله ثم استنباط الأحكام الشرعية منه بالعالم، ولا يتفق العلم بمصادر التشريع مع تقلد مناصب تحت كنف الحاكم هدفها تثبيته فوق كرسيه قبل كل شيء منتهكين بذلك حق الجماعة في تحديد مصيرها ورفضها للحكم الفاسد.

تنتشر الفتاوى الراكعة للحكام بين “علمائنا” اليوم بعضها بداعي الخوف وغالبيتها بدواعي المصلحة الشخصية (المادية) والفئوية والحزبية، حيث يقف المفتي أو الشيخ (وهو لقب جديد آخر) على منابر الجوامع أو يجلسون في الاستوديوهات المكيفة راشقين العباد بالتهديد حينا وبالهداية حينا آخر للاستكانة للحاكم وتحريم الخروج عليه بداعي درء الفتن على أساس أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” وهي قاعدة استنبطها العلماء من الأدلة الشرعية كما يقولون أي أن هذه ليست آية قرآنية ولا حديثا نبويا حتى. كثيرة هي الأمثلة إلا أنني تابعت مؤخرا الشيخ الأستاذ الدكتور كبير مشايخ الجهورية العربية السورية محمد البوطي (بجميع ألقابه) عبر الفتاوى التي يجيب بها عسكريين سوريين رفضوا قتل إخوانهم المطالبين بالحرية أو أناسا عاديين قد نفروا من ممارسات اعتقدوا بسذاجتهم أن الشيخ المفتي سيوافقهم على تحريمها شرعا، وكان في ما قرأته العجب.

سأل أحد الأشخاص الشيخ البوطي “ما حكم من أجبر على توحيد غير الله وذلك من قبل الأمن؟” فجاء رد الشيخ المفتي كما يلي:

” لماذا تسألني عن النتيجة ولا تسألني عن سببها؟ ما سبب ملاحقة هذا الشخص وإجباره على النطق بكلمة الكفر التي تذكرها؟ أليس سبب ذلك خروج هذا الشخص مع المسيرات إلى الشارع والهتاف بإسقاط النظام وسبّ رئيسه والدعوة إلى رحيله؟ لماذا لا تسألني عن هذا السبب وحكمه وموقف رسول الله من هذا العمل؟ ألا تعلم – والمفروض أنك تقرأ القرآن- أن الله نهى المسلمين على استثارة المشركين بسب أصنامهم، ولم يتحدث عن سب المشركين لله نتيجة لذلك؟ لماذا الإصرار على مخالفة أمر الله وأمر رسول الله، ثم التشدق بعد ذلك بالسؤال عن حكم الإسلام في حق النتيجة التي انبثقت عن هذه المخالفة؟!.. استجيبوا لأمر رسول الله القائل في حق مثل هذه الفتنة (عليك بخاصة نفسك) ثم انظروا هل ستجدون من يلاحقكم إلى بيوتكم ويجبركم على النطق بهذا الكفر؟”

سأتحلى بالكثير من ضبط النفس والقليل من ضبط ابتسامات الشماتة بجناب المفتي حيث يرتكب خطأً شنيعا في اعترافه ضمنا بحق النظام السوري في إجبار الناس على الشرك عقابا على مسيرات احتجاج! وهي أكبر الكبائر ثم تبرير موقفه (الذي لا أعرف إن كنت سأصفه بالسخف أو الغباء أو الوساخة) بحديث ضعيف حتى لو ورد في سنن الترمذي وأبي داوود وابن ماجة فقد ضعّفه الألباني وهذا كفيل بعدم اعتماد الحديث لنقض حكم قطعي الثبوت والدلالة وهو تحريم الشرك بالله فضلا عن إصراره على أن يلتفت كلٌّ إلى شأنه وهو بهذا ينتهك أول مبادئ الإسلام بكونه دينا للجماعة، فيقول الحديث الذي اقتبسه البوطي:

” بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم”.

 لم تخلُ علاقة مدعي احتواء الدين والسلطة من مصالح الحكام أو المفتين والعلماء الشخصية الضيقة جدا، فلا دليل أوضح على متانة هذا الرابط بعيدا عن حسن استخدام أدوات التشريع من حادثة وقعت بين هارون الرشيد وجاريته و”التخريجة” التي أوجدها أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة لسيده. تقول القصة:

“في يوم ما مر هارون الرشيد في قصره فوجد جارية جميلة فأعجبته فدعاها إلى نفسه فقالت لا أحلُّ لك يا أمير المؤمنين فقال كيف فقالت لقد طاف بي أبوك قبل ذلك. فجن جنونه وأرسل إلى أبي يوسف وقص عليه القصة وطلب منه مخرجا لورطته وأنه لا بد أن يطأها في نفس الليلة. فقال له يا أمير المؤمنين أوَكلما قالت جارية حكاية صدقناها فلعلها كاذبة، وأحل له الحرام.”

تزخر مصادر تاريخ الإسلام بحوادث وحكايات كالمذكورة حيث تتغير تفاصيل المصلحة غير أنها لا بدّ مرتبطة بالحاكم وعائلته والمحيطين بهم. لا يمكن إنكار بعض فوائد هذه الثنائية فقد أدت علاقة الخليفة المأمون بعلماء المعتزلة واعتناقه لمذهبهم إلى نهضة علمية وفنية ورفعت من مكانة العقل بدل النقل، رغم اتصاف فترته بالعنف ضد علماء عارضوا فكره كابن حنبل خصوصا ذلك المتعلق بالفلسفة أو الحكمة كما سماها العرب. لكن هذا الإنجاز المتمثل بالنهضة العلمية أو الإخفاق المتمثل بالتجهيل والقتل لا يبرران الربط بين الدين والسلطة أو يثبت صحته. اعتبر عدد لا بأس به من علماء السنة المعروفين (المعاصرين منهم والسابقين) الخروج على الحاكم مرفوضا مهما كان هذا الحاكم فاسدا متجاهلين بذلك عشرات الآيات القرآنية الواضحة وضوح الشمس في فرض الجهاد ضد الحكام وأولي الأمر الجائرين الفاسدين ورفض الظلم قبل كل شيء أذكر منها:

(1) وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً (النساء : 75)

 (2) وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى :15)

كما وخاطب الله المؤمنين ناهيا إياهم عن اتخاذ “رجال الدين” آلهة أي الأخذ بأقوالهم وأفعالهم دون نقاش ضاربا الأحبار والرهبان مثلا وفي ذلك درس للمسلمين قبل غيرهم، فقال:

(3) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ (التوبة : 34)

لا أسهل من استخدام النصوص المقدسة أو النصوص المعتمدة للتشريع بصرف النظر عن قدسيتها في استباحة حياة الناس والحفاظ على السلطة، خاصة وأن كثرة التفسيرات والتأويلات واحتكارها حالت دون تناول المؤمن العادي للنص مباشرة محاولا فهمه واستخلاص الأحكام القطعية على الأقل وحده دون وسيط. لم يكن الإسلام المعاصر وحيدا في هذا الميدان فممارسات الكنيسة القمعية سبقته كما استغل حاخامات اليهودية السلطة على “أحسن” وجه. إن الحد من سلطة ما يسمى برجال الدين وتنحيتهم عن الساحة السياسية مطلب ملحّ الآن بالذات خصوصا في ظل الثورات العربية الفتية حين تُبنى دول مؤسسات يلتزم فيها كل ذي اختصاص باختصاصه ولا يتعداه مستمدا قوته من النص المقدس الذي يتلاعب بتفسير كلامه مستغلا استسلام الناس وملبيا مصالح الحاكم. فلا يمكننا أن ننسى تغطية الأزهر بعلمائه ومشايخه على خيانة كامب ديفيد وأخطاء غيره كثيرة فأولا ضبابية انتماء الإسلاميين العرب الوطني والقومي وليس أخيرا محاولة إفشال النزول إلى الشوارع من جديد والالتفاف على إنجازات الثورة المصرية التي كانت ملامحها علمانية بامتياز.

رابط الفتوى: http://www.naseemalsham.com/ar/Pages.php?page=readFatwa&pg_id=14658&back=8928

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s