رَكِبْتُ عَلَى التَّغْرِيرِ

لَقَدْ رَكِبْتُ عَلَى التَّغْرِيرِ وَاعَجَبًا                        مِمَّنْ يُرِيدُ النَّجَا فِي مَسْلَكِ الْخَطَرِ 

                                                                                           (الحلاج)

لم يكن الغلاة الإسلاميون أبناء زماننا أو من يحبون تسمية أنفسهم بالجماعات أو الأحزاب الإسلامية، أو حتى السلفيين بفرعيهم الجهادي والدعوي، أول من احترف مهنة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” دون أيما اعتبار للسياق الاجتماعي والديني الذي يعيشون فيه (أو يعتاشون!) على ما يسمونها انتكاساته في تاريخ الإسلام الطويل العريض. فقد سبقتهم جماعات كثيرة كالخوارج مثلا، إلا أنه يمكننا القول إن دوافع الخوارج أكثر نظافة من دوافع الجماعات التي تحترف المهنة المذكورة اليوم. فعلى الأقل، كان تنفيذ الخوارج للقصاص بمنأى عن أي جسم قانوني أو ذي شرعية شعبية (وهو الذي يطبّق الشريعة الإسلامية ذاتها بالمناسبة)، يهدف إلى الحفاظ على روح هذا الدين وشريعته، وبالتالي حياة المواطنين، من خلال رفضهم الحاكم الجائر قبل رفضهم لبطانته. الخوارج لم يتعرضوا لمن ينسدل شعرها إلى ما تحت الجيوب أو لمن امتنع عن الصلاة في المسجد ذات فجر، مثلا.

 بعض الذين يقرأون المصحف ولا يفوتون كلمة بين الدفتين، ويقيمون صلواتهم جلها في المساجد جماعة، ويتجنبون كل حديث مع الجنس “الخطر” لئلا يقعوا في الفتنة، يظنون أن التزامهم بالبقع البنية فوق جباههم وذقونهم المشذبة، يحولهم إلى مُرسَلين لدرء الفتن وإصلاح المجتمع الذي أفسدته مباهج الدنيا، أو ما يحبون دائما ترديده من أن مجتمعاتنا العربية اليوم تتأثر تأثرًا أعمى وسلبيا من الغرب لا بل وتقلده بلا تفكير..

حسنا…

لننطلق من نقطة التفكير إياها.

في مجتمعنا الفلسطيني وفي كافة الدول العربية تنتشر مجموعات الإسلام السياسي وتعتبر الدين الإسلامي بنصّي القرآن والسنة مرجعا لمواقفها وحتى لتصرفات أفرادها، ابتداءً بالعبادات وانتهاء إلى المشاركة في الثورات أو ادعاء ذلك. والسؤال الذي لا يربكني هنا لكنه جدير بالذكر: هل يفكر هؤلاء بمراجعهم أم يكتفون بترديد كلام الشيخ محمد حسان (التيار السلفي الدعوي- مصر) أو الشيخ عمر عبد الكافي (الإخوان المسلمون- مصر) أو الشيخ البدري (التيار السلفي الدعوي- مصر) أو الشيخ رائد الفتحي (الحركة الإسلامية- الشق الشمالي) وجميعهم من الوجوه الإعلامية؟  إن العجيب في أمر هذه الجماعات أن قولها واحد لكن أفعالها تتضارب، بناءً على مصالحها الحزبية والفئوية بالطبع. فنجد حركات الإسلام السياسي تنضم للثورات العربية متأخرة متثاقلة كما حدث في مصر. ثم تنقسم آراء شبانها وشيبها في ضرورة العودة للشارع مجددا حيث لم تحقق الثورة مآربها فيتحالف قادة الإخوان المسلمين مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي تعامل بهمجية مع المتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة وتعلو الأصوات الآن حتى من داخل كوادر الإخوان الشابة باتهامه بالتواطؤ مع النظام المخلوع. أو حتى تراهم يفتون بتحريم التظاهر وينكرون ذلك بعد نجاح الثورة كالشيخ البدري أحد أهم مشايخ التيار السلفي الدعوي في مصر،  أو نراهم يحاولون اعتلاء ظهور الثوار كي يوهموا أو يتوهموا أنهم شركاء في هذه الثورة، مثل إخوان سورية الذين لم يعد لهم وجود سوى في أذهانهم. ولنتابع كيف لا يرتل مشايخ آل سعود الآية القائلة “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة”؛ وكيف يدافع حزب الله باستماتة عن حق البحرينيين في المعارضة وينكرها على جيرانه السوريين.

الأمثلة كثيرة، لكن المشكلة تكمن في “تكبير راس” الإسلاميين وترك الساحة مستباحة لحمّال الطبل لتوجيه الأسئلة الوقحة وكيل الاتهامات لكل من لا يجاهر باتـّباعه! صحيح أن الشعوب العربية عامة وهي المؤمنة بالفطرة والتي لطالما كانت هكذا، التفّت في فترةٍ ما حول الجماعات الإسلامية ودعمتها بل وأعجبت بأطروحاتها وما تزال، لكن ذلك جاء كما يُشاع نتيجة لإخفاق الأيديولوجيات الأخرى، القومية والشيوعية على وجه التحديد. إن هذه النتيجة التي يخلص إليها المحللون وهم غالبا علمانيون ترمي إلى أن الشعب العربي لم يتبنّ نظرية أو أيديولوجيا نتيجة تفكير وتحليل ثم استنتاج بأن هذه النظرية تتوافق مع عقليته؟ وهنا يتعين علينا أن نتساءل عن ماهية التفاف الشخص أو المجتمع حول الجماعات الإسلامية: هل فكر وحلل ثم خلص لنتيجة مفادها بأن هذا ما يتوافق مع عقله؟ أنا لا أتحدث عن العبادات بالطبع، فكوني علمانية يحتم عليّ احترام عقائد الجميع وممارسة حريتهم في العبادة، لكني أتحدث عن النظام السياسي الذي ينطلق من هذه الأيديولوجيات وما يترتب عليها. وبما أنني أؤمن بالشارع من أكبر عجوز إلى أصغر طفلة فإنني على قناعة تامة بأن ما يسمونه سقوط الأيديولوجيات هو نتيجة حتمية لإخفاق منظري هذه الأيديولوجيات في تطويعها وملاءمتها للشارع العربي وسهولة استهلاك الدين سياسيا لدى منظري الإسلام السياسي وليس خللا في تلك الأيديولوجيات أو في الشارع. لكن قناعتي محسومة أيضا بأن رجل الشارع يستطيع لوحده الاختيار ولا  يمكننا التعامل مع شعب كامل وكأنه عقلية واحدة موحدة. والعلمانية إذ تتعدى النظريات واحتكار الأيديولوجيات للتعددية يسهُل على المجتمع اختيار منظومة حياتية تتلاءم مع تطلعاته بصرف النظر عن تدينه أو نقيض ذلك.

نستطيع أن نرى وبوضوح أن العلماني في عالمنا العربي يسلك الطريق الأكثر وعورة، والسبب الرئيسي هو الاتهامات الجاهزة بالإلحاد والتقليد والانقياد وراء الغرب الكافر وما شابه. وحين انشغل العلماني واليساري في إيجاد أجوبة لهذه الأسئلة وبلغة سائلها، فقد أخلى الساحة وأتاح الفرصة للإسلاميين لفرض هذه اللغة ولزيادة ثقتهم بالنفس وإيهام الشارع العربي بقدرتهم الفذة على حل مشاكل الأمة بأسرها وذلك بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، بزعم أنك حين تطبق أحكام الخالق على الأرض ستكفل نهاية حقيقية للظلم والكذب والسرقة والرشوة وإلى آخره من التجاوزات التي منعتها أخلاق البشر حتى قبل نزول الأديان علما أن أقصى ما يصبو إليه الإسلاميون هو تحقيق قانون العقوبات الشرعي وليس الشريعة كاملة باختلاف مؤوليها وفيها شيء من التعددية. نتيجة هذا كله استقوى الفرد في الجماعة الإسلامية وظن أن من واجبه تخليص الأمة من كل من يدعو للدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة باعتبار هذه الكيانات العلمانية ضربًا لعفة المسلمة بالتحديد، وهي الحلقة الأضعف، وحثًا على الفجور.

إن ما نسيه العلماني في أيامنا هو أن لديه مفكرين لا مكرِّرين وأنه لا يستمد شرعيته من استغلال إيمان الناس بالغيبيات ولا يتوجه إليهم كالقطيع، إضافة إلى قربه من الشارع وهمومه اليومية ولا يبني مواقفه الاجتماعية والسياسية على ردود أفعال الناس بعد خطبة طويلة عن عذاب القبر. وليس لهجومي على إسلاميي اليوم أية علاقة بالنص الذي أدعي وبكل ثقة عدم فهمهم له، ولا بتاريخ الإسلام وثقافته، فهذا التاريخ والثقافة ليس حكرًا على أحد. إن اختباء العلمانيين وخوفهم من التهديد والوعيد أطلق العنان لهياج الإسلاميين ضدهم، خصوصًا أن كثيرا من منظري العلمانيين الجادين قد هوجموا بأشدّ الأساليب مثل نصر حامد أبي زيد، أو قتلوا مثل فرج فودة. فقد خدم العلمانيون الذين هربوا من الساحة الإسلاميين بهذا وصنعوا منهم أبطالا، إلا أن هذه البطولة تظل زائفة. فليست العلمانية تهمة كي نخجل بها وليس ما يجول في أذهاننا ونفوسنا مادة لفتاوى أحد، ولا يجوز أن نترك الميدان مجددا لمن يتسترون بالدين كي يحصلوا على شقة أو سيارة أو أتفه منها، وهم العطشى للسلطة بأي طريقة.

أنا شابة عربية مسلمة التاريخ والثقافة والحضارة، لا أمتّ للغرب بصلة لا بالملامح ولا بطقم الأخلاقيات والعادات والتقاليد والتصرفات. أنا حرة لأن ثقافتي قد أورثتني عبارة شديدة البساطة والوضوح تقول: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” ومن مصدر هناك إجماع على أنه ثقة. كذلك، وردني بالنص الصريح أن “لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي” و”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”؛ وأورثتني ثقافتي كذلك أننا “أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلا وأكرم من فوق التراب ولا فخر”. أعتز بثقافتي الإسلامية وأدرسها يوميا لكني أعتز كذلك بيساريتي ونهج التحرر من كل إملاء ظالم يحاول إلغاء حقي في قول ما أريد بمختلف الذرائع. ولا أعتقد بأنني مدينة للإسلامي وغيره بتفسيرات حول مسلكي في الحياة. فإن كان يعتقد بأنه قويّ بالقاعدة الشعبية من حوله فلدينا نحن قاعدتنا الشعبة كذلك. وإن كان سعيدا بحفنة مشايخه الذين لم يأتوا بجديد منذ الغزالي فلدينا مفكرونا الذين يبحثون في النص نفسه والموروث نفسه ويصلون إلى استنتاجات أكثر نفعًا للمجتمع وتواصلا معه.

لو افترضنا أن الفرد قادر على تحديد مواقفه بناء على التمعن والتدقيق وليس الترديد والتلقين، وهذا ما أؤمن به، فسنجد البساط يُسحب من تحت الإسلاميين. لأن أحدا منا لا يريد العودة إلى الوراء. تظل طريقنا شائكة، إلا أن كلمات الحلاج أعلاه تبقى أقوى بكثير من مهانة “حط راسك بين الروس”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s