يا مشايخ حماس… اتقوا الله

لم يكن نقاش الفقهاء المسلمين حول فساد أولي الأمر عبثا أو محض تفرغ، فقد احتل النقاش الساحة الفقهية ابتداء من السنة الخامسة والثلاثين للهجرة بعد مقتل الخليفة الثالث وزوج ابنتي الرسول الكريم والذي اعتلى كرسي الخلافة ما يقارب الاثنتي عشرة سنة وأحد العشرة المبشرين بالجنة وجامع المصحف. لم تكن امتيازات عثمان المذكورة لتحول دون انتقاده واتهامه بتفضيل عائلته وحتى هدمه لهيبة الخلافة إلى درجة الاعتداء على جثته وكسر ضلعه ميتا. إن هذا الهجوم رغم عنفه ووصوله لشخصية بأهمية الخليفة يدل من ضمن ما يدل عليه، أن  إرادة الأمة حرة ولا تقف أمامها ألقاب. إن رفض الفقيه واصل بن عطاء علانية لمحاربة الصحابة بعضهم البعض في معركة الجمل هو خير دليل على التعددية والحرية في تذنيب حتى أصحاب الأسبقية بالإسلام واتهامهم بتفريق الأمة وإشعال الفتن.

نتج عن هذا النقاش العميق ومتعدد الوجهات فرقا إسلامية عدة، إلا أن جزءا من هذه الفرق اختار الانحياز للجماعة أي ما يمكننا تسميته بالشعب في أيامنا هذه علما أن الإسلام هو خير دين للجماعة. فلا يصلح هذا الدين ولا نصُّه القرآن لخدمة النخبة وتتجلى المفارقة في استخدام هذه النخبة (التي تغيَّر اسمها من بني أمية إلى بني سعود للمثال لا للحصر) للنص ذاته أو لمصدر التشريع الثاني من حيث الأهمية وهو الحديث النبوي لخدمة المُلك والقمع والتفرد بالسلطة وتوريثها مما يضمن الضرر للجماعة فقط.

من الناحية الثانية انحازت فرق أخرى للحاكم وعائلته وما يترتب عليهما من تحييد متطلبات الجماعة واحتياجاتها وإرادتها واستخدمت كل ما يمكنها من أدوات البلاغة والالتفاف على النص واختراع أحاديث تدعم صاحب السلطة. تمتاز هذه الفرق بقدرتها على التكفير وزج الآخرين في خانة محاولة تفكيك الأمة والتأثر بما ينأى عنه دين الإسلام. نجد في أيامنا هذه توريثا للسلطة دون الرجوع للجماعة والأخذ بتطلعاتها فضلا عن تزوير المواثيق والدساتير علانية لتسهيل عملية الخداع، لكن ما يؤرق الأمة ويقض مضجعها هو “بصم” ما يسمون بالفقهاء وأهل الحل والعقد بأصابعهم العشرة للمورثين والملوك متخذين القرآن والسنة مصدرا لتشريع هذا الفض الصارخ لمواثيق الأمة التي يفترض أن تحكمها الشورى. يقول الشيخ البوطي وهو يمثل ببراعة دور الحريص على أرض الوطن ومصلحة شعبه “فوجئنا بخطة رسمت في الخارج ودفع بها إلى المجتمع السوري”. ويقول الشيخ أحمد حسون مفتي بشار الأسد “وما حدث في درعا وما حدث في الصنمين وما حدث في اللاذقية هو أمر خارجي وستسمعون التحقيقات بعد أيام أو ساعات قليلة”. ماذا يكون هؤلاء غير منافقين ومشايخ سلطة يبيعون الدين قبل الشعب من أجل مزيد من الشهرة والمال في عهد الملوك الجدد.

هل هناك مميز للمُلك أوضح من التوريث؟ كيف يستدل فقهاء اليوم على موافقة قرآنية أو سنية على المُلك حين يقول الله تعالى “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة”[1] الآية. ربما يدعي البعض أن الآية تقصد الملوك الذين يدخلون الأرض عنوة، أسأل هؤلاء إن وجدوا هل دخل بشار الأسد سوريا واعتلى رقاب الشعب بالورود؟

يا من تعلمون أن كلمة الحق ذكرت في القرآن 227 مرة فهل أوضح من الآية القائلة “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون”[2]. أم أن قول الحق لم يعد من مميزات مشايخ هذا العصر ولا يقوم بهذا العمل المشرف غير المتظاهرين العزل الذين لا يستطيعون حتى إسعاف جرحاهم أو العلمانيون ممن يهاجمهم نفس مشايخ الباطل؟

كثر استعمال السلطات السورية للشعب الفلسطيني وقضيته في تبرير اتهامها السخيف للثوار السوريين بالعمالة والدس من الغرب فرأينا الأعلام الفلسطينية تُرفع في تمثيليات التأييد التي ملأت شوارع سورية بالعار فجاء رد جزء من الفصائل الفلسطينية أكثر عارا إذ رجف ممثل الجبهة الشعبية القيادة العامة في دمشق خوفا من احتمال اتهام الفلسطينيين في المشاركة بالثورة السورية وكأنها تهمة تعيب، إلا أن ما أفقدني صوابي كان رد مشايخ حماس وبيانهم الشائن الذي يصف النظام السوري بالممانعة واحتضان المقاومة الفلسطينية وهو لم يحرر أرضه المغتصبة بدوره. هذا في الوقت الذي تحمل فيه حماس حسب زعمها لواء الإسلام ونصرة المظلومين.

أخاطب مشايخ حركة حماس باللغة التي يقولون بأنهم يفقهون رغم قناعتي بأن من يهلل للباطل وينسب له البطولات لا يمت لهذه اللغة والتراث بصلة بل يلعب دور الجهم بن صفوان والجعد بن درهم فليست قضية الإرجاء فقهية فحسب بل سياسية تليِّن للحاكم قلوب العباد أو تستغفلهم ولا تكفر الحاكم الفاسد عن غير دراية وتفقُّه بالمصدر كما يشهد التاريخ.

ما الذي يفعله بشار الأسد ونظامه غير الباطل أم أن سفك دماء الأبرياء وهدم السجون فوق رؤوسهم وتقطيع أطرافهم لا يعد باطلا؟ هل يمكن أن يخطيء مليون سوري من كافة طوائف هذا البلد المسكين بين ليلة وضحاها ويتلقون المعونة الخارجية للنيل من النظام الوحيد الواقف ضد إسرائيل؟ أود أن أخبركم بأن من يستحل دماء شعبه ليس إلا الباطل بعينه فلا أعلم كيف تستطيعون التفريق بينه وبين دكتاتور ليبيا وتكيلون له المديح وتتجنبون الوقوف مع الشعب الذي قتل منه الآلاف منذ انقلب  الملك السوري حافظ الأسد وبعد أن أورث ابنه البلد ليعتقل أبناءها ويقتل نساءها وأطفالها وبالجملة.

وأخيرا أرجو أن تقاتلوا في سبيل الحق كما تدَّعون دوما ولا تتبنوا مواقف ضبابية تحاولون من خلالها كسب رضا الجميع لأن الشعب السوري لا يرضى بالمتاجرة بقضيته ودفع رئيسه (الذي يحاول إزالته وسيفعل) لمزيد من القتل والإجرام. وأذكِّركم أن عددا كبيرا جدا ممن قُتلوا ويقتلون يوميا في سورية هم مسلمون إن لم يهمكم انتماؤهم للعروبة.


[1] النمل: 34

[2] البقرة: 42

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s