حرية التعبير والتكفير في مصر… قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد كنموذج للدراسة

مقدمة

لا يمكننا دراسة حرية التعبير في مصر كحق أساسي للإنسان ومحاولات منعه دون الوقوف طويلا أمام مطالب ثورة 25 يناير وإنجازاتها والتغييرات التي أحدثتها في الوعي الجماعي المصري قبل إنجازاتها المادية الملموسة، إلا أننا  في هذه الدراسة نستعرض الحق في حرية التعبير وقمعه على يد السلطات السياسية المصرية والمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر فضلا عن المنظمات الإسلامية المتشددة ما قبل الثورة وتأثيره على المجتمع المصري ونأخذ قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد كنموذج للدراسة.

 

فرج فودة

فرج فودة

محمد الغزالي

محمد الغزالي

إن موضوع حرية التعبير هو موضوع مثير للجدل والخلاف بين المثقفين والمتدينين أو الأصوليين في العالم العربي وفي مصر على وجه الخصوص. لقد ظهر هذا الخلاف بأشكال عديدة فكان أحد أشكالها عنيفا ولم يكتف بالتهديد والوعيد بل وصل إلى حد الاغتيال وتنفيذ القصاص. إن حادثة اجتثاث حياة المفكر فرج فودة المؤسفة كانت الأكثر حدة ووضوحا في هذا الصدد فقد كان ادعاؤه بأن الدولة الدينية ليس بمقدروها خلق نظام يستطيع التوافق مع ظروف نهايات القرن العشرين في مناظرة تمت بينه وبين شيخ الأزهر محمد الغزالي في معرض الكتاب في جامعة القاهرة عام 1992 كان كفيلا بقتله.

مقابل حرية التعبير يحتل التكفير مكانة مهمة في الوعي الديني عندما يكون موضوع الجدل حساسا مثل تفسير القرآن ومكانة المرأة في الإسلام ومكانة غير المسلمين في الدولة الإسلامية. إن السلطات المصرية كانت جزءا فاعلا في الحد من حرية التعبير والتضييق من مساحته لدى مثقفين وصحفيين وفنانين مختلفين سواء بالتخويف والإبعاد أو بتطويع القانون المصري لمقاضاتهم.

السؤال الذي تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه هو كيف استُقبلت قضية ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد ومن ضمنها قرار محكمة الطعن في القاهرة بتاريخ 5.8.1996 ضده وضد زوجته الدكتورة ابتهال يونس والذي ألزمهما بالتفريق كرها في الساحة السياسية المصرية وما هي الخلفية الدينية والسياسية للمجتمع المصري التي أثرت على القضية؟

حرية التعبير التي تتحول إلى اتهامات بالارتداد عن الدين

التكفير لغويا وفقهيا

إن الاصطلاح الشائع في اللغة العربية للإعلان عن ارتداد شخص ما عن الدين الإسلامي هو تكفيره، وقد استخدم هذا الاصطلاح في النصف الأول من القرن الأول للهجرة حين اتهم الخوارج فئات مسلمة بالارتداد عن الإسلام بعد وقعة صفين عام 39 للهجرة. يقول الإمام الغزالي إن الكفر مرادف للردة لذا فإن عقوبة هذه المخالفة القتل.

لقد استخدم رجال الدين ورجال السلطة ومن يدعون غيرتهم على الإسلام اتهام أناس بالردة ونفيهم من المجتمع والأمة الإسلاميين بدوافع تبدو فقهية للوهلة الأولى وبدوافع سياسية أو حتى بدافع المصلحة الشخصية.

في أيامنا هذه يقبع دافع الأشخاص الذين يأخذون على عاتقهم محاكمة من يكفرونهم في أروقة القضاء أو محاكمتهم في الشارع في مبدأ الحسبة. إن هذا المبدأ الديني يتطرق إلى واجب المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في بيئته ومجتمعه، فيستطيع كل إنسان محاكمة شخص ما قد استخدم حرية التعبير بما يضر بالإسلام من وجهة نظره دون تضرر المدعي شخصيا من أقوال وأفعال المدعى عليه. يدعم القانون المصري وخاصة قانون الأحوال الشخصية الأخذ بمبدأ الحسبة في القضاء فتقول المادة 6 من قانون الأحوال الشخصية ” مع عدم الإخلال باختصاص النيابة العامة برفع الدعوي في مسائل الأحوال الشخصية علي وجه الحسبة المنصوص عليه في القانون رقم 3 لسنة 1996 للنيابة العامة رفع الدعوي ابتداء في مسائل الأحوال الشخصية إذا تعلق الأمر بالنظام العام أو الآداب كما يجوز لها أن تتدخل في دعاوي الأحوال الشخصية التي تختص بها المحاكم الجزئية وعلي النيابة العامة ان تتدخل في دعاوي الأحوال الشخصية والوقف التي تختص بها المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف وإلا كان الحكم باطلا “

نتيجة لاعتماد مبدأ الحسبة بدأ التكفير يأخذ طابعا أكثر تنظيما لدى جماعات دينية متطرفة مثل جماعة التكفير والهجرة وحتى لدى أفراد غير منتمين لجماعات بعينها والذين يكرسون جهودهم لخدمة هذا المبدأ مثل المحامي نبيل الوحش الذي يقاضي مغنين وكتاب ولاعبي كرة قدم كي يحافظ على أخلاقيات الشارع المصري وكي يمنع الفاحشة.

من جهة أخرى نجد رجال الدين والذين يجرون جمهور المتدينين وراءهم يتجاهلون آية قرآنية شديدة الوضوح فيقول الله تعالى في سورة البقرة (الآية 256) } لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ أما المفسر الشهير ابن جرير الطبري فيقول في تفسيره لهذه الآية “قال نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله فيه ذلك رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أن يستكرههما وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما فنزلت هذه الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عون أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق قال كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض على الإسلام فآبى فيقول (لا إكراه في الدين).

إن وجود آيات شديدة التسامح في القرآن كهذه الآية لا ينفي حقيقة أن آيات أخرى فيه قد حصلت على أهمية أكبر بفضل الفقهاء والسياسيين على حد سواء. إحدى هذه الآيات هي الآية 221 من سورة البقرة {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. لقد استخدمت هذه الآية بعينها في قضية التفريق التي رفعت ضد الدكتور نصر أبي زيد وزوجته لتدعيم الادعاء بضرورة الفصل بينهما بزعم ارتداد الدكتور أبي زيد عن الإسلام.

حرية التعبير والسلطات المصرية- الدستور والتأثيرات الخارجية

تماما مثل صياغات دساتير أخرى في الدول العربية يضمن الدستور المصري حرية التعبير في المادة 47 ” حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني” أما المادة 49 فتقول “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي الفني والثقافي، وتوفر الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. على الرغم من حفظ الدولة نظريا للحريات بصياغتها في الدستور إلا أن الدستور يقيد هذه الحريات ويشير إلى أنها غير مطلقة وأنها منوطة بالتقييدات التي ينص عليها القانون. لقد وجدت هذه التقييدات للحفاظ على حرية الآخرين ولتحفظ الأمن العام والأخلاقيات العامة من أي منشورات (سمعية أو بصرية) قد تسيء للدين. بناء على هذا المبدأ فإن حرية التعبير هي حق أساسي إلا أنه ليس مطلقا.

تتفق السلطات على هذا المبدأ مع الأصوليين والفقهاء الذين يضعون الحقوق الجماعية فوق حقوق الفرد والطريقة التي يعتمدونها هي الرقابة على ما يظنونه مسيئا وآمرا بالمنكر.

كانت السلطات المصرية بحاجة للأزهر كمؤسسة دينية لتحقيق غاياتها المتعارضة تمام مع الدستور وهي تحديد حرية التعبير وحجبها عمن يهدد سلطتها. يعد الأزهر مؤسسة دينية صاحبة شرعية وتأثير على الشارع المصري لذا فقد كانت للأزهر وظيفة مهمة للتغطية على النظام ودعمه في حربه ضد الإسلاميين أو دعمه على المستوى السياسي مثل اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978 أو الموقف المتخاذل ضد العراق في الحرب الأمريكية عليه عام 1991. إن هذه الحاجة ما تزال قائمة لدى النظام والثورة المصرية التي انطلقت في 25 من كانون الثاني 2011 كانت خير دليل على العلاقة الوثيقة بين النظام والأزهر الذي لم يصدر ولو تصريحا واحدا لدعم الثورة والثائرين. إن مواقف الأزهر وصلاحياته التي ضمنها له النظام جعلته مؤسسة مكروهة لدى العلمانيين والأصوليين على حد سواء.

إن حقيقة تحميل السلطات المصرية المسؤولية للأزهر في تقديم طرح إسلامي معتدل ساعدت الأخير في طرح تصوراته المحافظة في ماهيتها.

لقد ساهم الأزهر بشكل كبير في الإعلان عن فتاوى ضد قانون الأحوال الشخصية المصري وقضية زرع الأعضاء وتوظيف النساء في الوظائف العامة. لقد اعترفت مذكرة رسمية في العام 1994 بصلاحيات الأزهر الحصرية في الحفاظ على الأخلاقيات العامة في الدولة صاحبة الديانة الإسلامية بأغلبيتها. لقد ذكرت المذكرة أن على وزارة التربية والتعليم الالتزام  بقرارات الأزهر بما يتعلق بالرقابة على كتب التعليم والمناهج فضلا عن صلاحية الأزهر في الرقابة على السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون. إن الاعتراف بالأزهر كحافظ لأخلاقيات الأمة مهدت الطريق أمام رجاله للتدخل في جوانب كثير من الحياة الثقافية في مصر وتحديدا حجب شرعية مثقفين علمانيين متحررين يسيئون للأمة وللدين حسب اعتقادهم. نستنتج مما ذكر آنفا أن هناك علاقة وثيقة بين السلطات المصرية والأزهر الذي تمتع بصلاحيات تتعدى صلاحيات مؤسسة دينية عادية ليس لها صبغة قضائية على سبيل المثال.

قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد بين المؤيدين والمعارضين

ولد الدكتور أبو زيد في إحدى قرى محافظة طنطا عام 1943 لعائلة بسيطة، وانضم في شبابه لحركة الإخوان المسلمين التي كان تقديره لمؤسسها سيد قطب شديدا. لقد اعتقل أبو زيد لفترة قصيرة حين كان يبلغ الحادية عشرة عام 1954.

تخرج أبو زيد للقب الأول في اللغة العربية في جامعة القاهرة عام 1972 واللقب الثاني في الدراسات الإسلامية في جامعة القاهرة عام 1976. في العام 1979 حصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بنفس الجامعة.

لقد عرف أبو زيد بمؤلفاته التي تختص في الدين الإسلامي وتفسير القرآن تحديدا لكن دعوى التفريق التي رفعت ضده في محكمة النقض عام 1996 كانت نقطة مهمة في معرفته والاهتمام بمؤلفاته أو سبه دون سابق معرفة وذلك بمساعدة الصحافة والإعلام. لقد حول الداعمون لأبي زيد قضيته إلى قضية قومية والذين نقلوا القضية للصحافة الأكاديمية والسياسية.

 

نصر أبو زيد

نصر أبو زيد

عبد الصبور شاهين

عبد الصبور شاهين

لقد اتهم نصر أبو زيد بالردة عن الإسلام في المحكمة لكن الحكاية كانت قد بدأت بين جدران جامعة القاهرة التي تعلم وعلم فيها سنين طوال. في صيف عام 1993 اتهم الدكتور عبد الصبور شاهين علانية الدكتور أبو زيد بالردة عن الإسلام نتيجة تأليفه كتابه “مفهوم النص” مما أبعده عن الحصول على لقب بروفيسور.

لقد رفعت مجموعة إسلامية قضية ضد أبي زيد وكان زعيمها رجل يدعى محمد صميدة عبد الصمد، مدعية أن عليه تطليق زوجته عملا بالآية 221 في سورة البقرة. لقد توقع أبو زيد رد فعل حاد من قبل رجال الدين المسلمين عندما كتب في التمهيد لكتابه (مفهوم النص) ” والاعتراض الذي يمكن أيثار هنا: كيف يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص على نص إلهي؟! وقد يضمن الاعتراض بعض الاتهام (والعياذ بالله من سوء النية) حول تطبيق مفاهيم البشر ومناهجهم على نص غي بشري من حيث أصله ومصدره.

لقد توفي أبو زيد في 5.7.2010 نتيجة فيروس لم يتم تشخيصه من قبل الأطباء. وفاة أبي زيد كانت خسارة كبيرة لمثقفين مصريين وعرب كثيرين وقالوا إنها خسارة كبيرة لمصر وللثقافة المصرية بينما عبر أصوليون عن رضاهم بوفاته وسعادتهم بهذا الحادث الأليم.

رد فعل مؤسسة الأزهر حول قضية أبي زيد

مفهوم النص
كتاب مفهمو النص لنصر حامد أبو زيد.

لقد قامت مجموعة من أساتذة جامعة الأزهر بالإعلان عن موافقتهم للفظ أبي زيد من الأمة الإسلامية كدعم لجماعة إسلامية متشددة تدعى الجهاد الإسلامي. نتيجة لهذه الحملة اضطر أبو زيد لمغادرة مصر إلى منفى اختياري في ليدن وقد عمل كمحاضر ضيف في جامعتها. نستطيع في هذا الصدد ملاحظة تأثير المؤسسة الدينية في تشويه مسيرة أكاديميين وتشويه سمعتهم.

لقد كان احتجاج فقاء الأزهر ضد أبي زيد مبنيا على تصريحاته التي يعتقدون بأنها تقلل من قيمة القرآن والتي تساوي ما بين القرآن وبين أي نص أدبي آخر حسب اعتقادهم. لقد ادعى أبو زيد أن الثقافة العربية قد ولدت من الجدل أي الصدام مع الواقع والحوار أي نقاش النص وبما أن الثقافة العربية نصية في ماهيتها فهذا يحولها لثقافة تفسير وتأويل. لقد ادعى أيضا أن القرآن مثل أي نص آخر يحتاج إلى مساحة تفسيرية من المثقفين والمفسرين في نفس الحقبة.

المجتمع المصري وتقييد الحريات المختلفة

إن الصدام بين المباديء التنويرية وتلك التقليدية كان مميزا للديمقراطيات الناشئة في العالم لكن المجتمعات التي حصلت على كيان تنويري وديمقراطي نسيت أن التوجه التنويري هو وليد نزوع واع مضاد للتقليدية بينما تميل المجتمعات التي لم تحصل على كيان سياسي كهذا لتجاهل أن النتيجة المنطقية للدولة التنويرية هي العلمنة.

في المجتمعات العربية الإسلامية التي تتوافق فيها التقاليد إلى حد كبير مع الدين تكون قوانين الدولة فيها ودستورها حافظا للحريات على الورق بينما على أرض الواقع تقمع هذه الحريات بشكل ممنهج من قبل السلطات التي من الصعب إسقاطها. إن المحافظة فالتشدد فالتطرف ليست النتائج الطبيعية للفشل المؤقت في الحصول على الحرية كما رأينا في ثورة 25 يناير حيث لم يعد الحل الإسلامي البديل الوحيد لقمع السلطات الموالية للغرب لشعوبها فنرى الآن نداءات جادة للعلمنة وللدولة الديمقراطية المدنية غير الدينية وغير العسكرية إلى جانب الدعوات للدولة الدينية.

تضمن السلطات في مصر نظريا حريات أساسية للمواطن مثل حرية الإبداع العلمي وحرية الاعتقاد وحرية التعبير لكن حين يتم الحديث عن حرية التنظم السياسي والحزبي يجد الفرد نفسه أمام تقييد رسمي وفعلي للحريات.

إن تحديث الدستور والقوانين المدنية قد بدأ في القرن التاسع عشر حيث اتضح الفرق بين القوانين وليدة أوروبا والقوانين المستمدة من الشرائع الدينية سواء الإسلامية أو غيرها على المستويين الجنائي وقوانين الأحوال الشخصية. نتيجة لتبني القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية وتأويلها بما يتناسب وتطلعات الدولة فقد حفظت بعض حقوق المواطن بينما أصبح بعضها الآخر ممنوعا عليه مثل الحق في الاعتقاد الديني وعدم المساواة بين الجنسين.

لقد عملت منظمات حقوقية مصرية على عدة مستويات امتدادا لتطلعات الشعب المصري عموما بالحرية مثل القضية النسوية وحقوق المرأة. إن قانون الأحوال الشخصية المصري لا يخلو من مشاكل وتعقيدات فقد كانت الحاجة ماسة إلى تعديله فكانت المحاولة عام 1979 على يد جيهان السادات إحدى المحاولات المهمة لتحسين وضع المرأة المصرية إلا أن ردود الأفعال حول التغييرات التي طرحها تعديل جيهان السادات قد أدت إلى إبطالها عام 1985. كانت حركات نسوية مصرية قد عملت في مجال الحقوق إلا أن عدم تمثيلها في مجلس الشعب والشورى المصريين فضلا عن حقيقة أن القوانين تسن أو تنفذ دون سنها في أقبية النظام وبناء على إرادته قد حالت دون سن قوانين جديدة وأكثر جدية في مجال المساواة بين الرجل والمرأة.

لقد بدأ المجتمع المصري في التحول للمطالبة بالتحرر والليبرالية والمطالبة بدولة ديمقراطية منذ بداية القرن العشرين إلا أن انتشار أفكار الإسلاميين وتأثيرهم قد كان سببا في عرقلة هذا التوجه فقد أصبح قمع الحريات وظيفة النظام والأصوليين على حد سواء. كان إلغاء المحاكم الشرعية والطائفية المختصة بالأحوال الشخصية وضمها للمحاكم العامة بتاريخ 21.9.1955 بعد ثورة الضباط الأحرار محاولة لعلمنة الدولة إلا أنه يعني أيضا أن الأقليات الدينية كالأقباط في مصر عليها الالتزام بقرارات المحاكم العامة بغض النظر عن خاصية تلك الأقلية.

لقد قتل المفكر فرج فودة عام 1992 على يد شاب منتم لجماعة متطرفة ولم يكن فودة المفكر الأول الذي يقتل نتيجة لفكره فهناك العديد من قضايا هدر الدم والتهديد كقضية المفكر الإسلامي سيد القمني الذي تراجع عن أقواله خوفا على حياته. لم يتوقف قمع الحريات في مصر حتى الرمق الأخير للنظام المصري وعلى رأسه الرئيس المخلوع حسني مبارك فقد كانت ردود أفعال الدولة على ثورة الشباب ومظاهرات السلمية تجوب في فضاء الضرب والعنف وتفريق الصفوف وتكسير العظام والقتل.

تلخيص

إن قمع الحريات وخاصة حرية التعبير كان سياسة ممنهجة اتخذتها السلطات المصرية لفترة لا تقل عن الخمسة عقود وذلك حفظا لسطوة السلطات الحاكمة ومنعا لأي قلاقل من الممكن أن تحدثها مظاهرة أو فيلم سينمائي أو كتاب أو حتى أغنية فلم يكن غريبا على الأنظمة المصرية الثلاث على اختلافها اعتقال شاعر أو أديب أو فنان أو تلفيق القضايا لبسطاء المواطنين لمجرد التنظم في جمعية حقوقية أو رفع قضية على أحد رجال الأعمال.

إن تقييد الحريات في مصر ازداد تعقيدا حين انضم للقوة التي تضمن عدم انفلاته الإسلاميون المتمثلون في المؤسسات الرسمية والمنتظمين في جماعات متشددة على حد سواء. إن الخطورة في تقييد الحريات اشتدت حين قرر بعض الأشخاص والجماعات الذين نصبوا أنفسهم قضاة وتنفيذ عقوباتهم ضد مفكرين وفنانين ومواطنين عاديين وفي الشارع بوضح النهار.

لقد غيرت ثورة 25 يناير نظرة المصري للحرية ولحقوقه عامة ولكيفية الحصول عليها فلم تشهد مصر على امتداد تاريخها الطويل تكافلا اجتماعيا في ثورة شعبية شديدة التنظيم والوضوح في المطالب.

 

—————————————————–

مراجع

ابن منظور. لسان العرب، بيروت : دار صادر، 1955-1956.

الطبري، محمد بن جرير الطبري. جامع البيان عن تاويل القرآن، مصر: م. البابي الحلبي واولاده, 1373هج. 1954م.

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر وجلال الدين محمد بن احمد المحلي. تفسير الجلالين، القاهرة: مكتبة الصفا، 1425هج. 2004م.

أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، المغرب: المركز الثقافي العربي، 2008.

دستور جمهورية مصر العربية.

. Kermani, Navid. “From Revelation to Interpretation: Nasr Hamid Abu Zayd and the Literary Study of the Qura’n”. in Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an. Ed. Suha Taji Farouki, London: Oxford University Press, 2004

Sfeir, George. “Basic Ereedoms in a Fractured Legal Culture: Egypt and the Case of Nasr Hamid Abu Zayd,” MEJ, XXXXXII (Washington), 1998. Pp. 402-415

 

———————————

لمعلومات أوفى حول نظرة أبي زيد لنص القرآن يمكن الاستماع إلى محاضرته بعنوان إعادة تعريف القرآن

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s