مصر الحقيقة.. ظاهرها وباطنها

مصر الحقيقة في الظاهر هي ثورة سياسية اجتماعية صادمة في شدة وعي محركيها وفي الباطن هي كذلك ثورة ذات دماء شابة واعية متزنة تلزم إرادتها وصالح وطنها مكانهما الطبيعي أي فوق الجميع. سمعنا قذارات مركبة بعناية من كلمات مبطنة متسمة بالبراءة والحماسة في ظاهرها ولكن من أقدر من أصحاب الخلوات والعمائم على التلاعب بالظاهر والباطن، هل يمكن في هذه الظروف أن تشير ثورتا تونس ومصر إلى الصحوة الإسلامية حين شعرت الجماهير بالقرف من محاولات الفصل وفض الصفوف بادعاءات تدنيس الطهارة الجسمانية أو الروحية. لم لا يستطيع المصرّحون فهم حقيقة انتهاء فض الصفوف ألا يرون اللحمة تتجلى في وجه طفلة لم تبلغ الثانية عشرة على كتفي أبيها صارخة بإسقاط من لم تعد تعترف وهي الطفلة برئاسته ولا بأعوامه الثمانين التي يلوث نصفها الدم، أولم يروا الشابات والشباب يحولون سوية ميدان التحرير إلى بيت لهم جميعا ويقسمون الخبز والمهام بينهم بالتساوي.

من يصر على إيقاف الفتنة بالتذكير يوميا بوجودها أو اختراع وجودها، من يجعل من الفتنة الطائفية شماعة لهموم الأمة. لطالما امتنع المصري الحق عن الانحشار في نفس جاره محاولا معرفة قبلة صلاته اللهم إلا كي يبارك له عيده أو اهتماما منه بطقس مشترك ما. رأينا بأعيننا رغم التعتيم والتعتيم مصر بمسلميها ومسيحييها تحارب سلميا رغم التضاد الواضح في هذا التعبير نظاما شفط خيرات بلدهم التي لم أشهد انتماء شبيها لأبنائها إليها في أي بقعة من هذا الكوكب أنا بفلسطينيتي. لطالما عبر أصيلو مصر عن  أبناء جلدتهم فقد قال أحمد فؤاد نجم قبل أكثر من عقدين بصوت خليله الشيخ إمام

“الجدع جدع

والجبان جبان

بينا يا جدع

ننزل الميدان”

وهل أوسع من ميدان التحرير صدرا للجدع وأضيق من صدره في وجه الجبان؟ قام المصريون ليس أولئك الذين عادوا جزائرنا جميعا ليس أولئك الفنانين الذين ليس لهم استخدام سوى تلميع أحذية النظام الذين أشعلوا قلوب الجماهير بدلا من تليين الغضب على شعب شقيق. قام المصريون العلمانيون والمتدينون والملحدون والمجلببات وذوات الشعور المنسدلة الحرة وأصحاب اللحى وذوي البناطيل التي تكاد لا تغطي ملابسهم الداخلية. قام الأطفال سمر الخدود مجعدو الشعر قامت الفتيات غير العابئات بالرطوبة التي ستفسد بشرتهن قامت البلد بشعبها شديد التنوع والرقي شديد الحرارة والاندفاع الذي لا يخلو من الاتزان.

لقد صعق المصريون العالم. يستمر أحمد فؤاد نجم فيقول

“يسبق الليالي

و يجيب الصباح

و يهزم الهزيمة

و يداوي الجراح

عاوزين اللي راح

قدامكو الميدان

و الجدع جدع

و الجبان جبان”

قام المصريون. أقاموا لجانا شعبية لحماية بيوت غيرهم كما بيوتهم بنوا مستشفيات ميدانية ضمدوا جراح أولئك الذين لم تمنعهم جراحهم من النزول ثانية والتمترس في ميدان التحرير الذي يثبت الثائرون يوما بعد يوم استحقاقه للقبه. غنى المصريون في الميدان صرخوا غضبا وإصرارا، أروا للعالم شكل الإرادة بأغنية ولافتة كرتونية مكتوب عليها بشتى الأقلام والألوان موقفا لا تتجرأ مكاتب السياسيين بمراوغتها على مجرد التفكير فيه.

لم نر في الميدان إلا الجدعة والجدع وكل من عداهم فكان غير مرئي أو ربما منعته حساسيته للحقيقة من النزول. أسكت المصريون كل من حاول أن يعتلي إنجازات ثورتهم وأن يحمّلها دافعا طائفيا سخيفا أو محاولة لسد الرمق واستبداد الجوع. أنهى المصريون السلبية التي ما زالت الأمة العربية تسبح فيها فكيف يمكن لشعب إنجاب طفل يقود مظاهرة مليونية أن تقتله السلبية ويبيده الخمول.

لم تعد الأفكار المسبقة تخدم السلطات العربية العفنة فنحن لسنا جبناء ولما نزل ننتفض ونزيح بقايا الرجعية والتواطؤ مع من يبني مستقبله على أنقاض كرامتنا، لم تعد السلبية مميزة لمجتمعاتنا لم يعد يستطيع العربي تجاهل الواقع والاختفاء في همومه المعيشية لم يعد بمقدوره غض بصره عن الحقيقة التي وإن حاول إشاحة وجهه عنها تشد أذنه أو تتسلل إلى أنفه كرائحة خبز نضج للتو.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s