أنا الشعب ماشي وعارف طريقي

رحت ألتهم المدن العربية تجوالاً الواحدة تلو الأخرى، كنت أسمع الأصوات تتدافع في فضاءات تلك المدن الضحلة التي لم تمتليء فضاءاتها منذ زمن بعيد لا بالضحكات ولا بالأغاني اللهم إلا بالعويل والبكبكة المتواصلين حبًا وطواعية. لكن الأصوات التي سمعت هذه المرة كانت واضحة وغريبة الاختلاف.
كنت أعرف أن ما يحصل مستهجن إلى حد الكذب، عرفت تلك الكلمات حفظتها منذ كنت أشق طريقي إلى الثالثة عشرة فقد انسكبت أغاني ذلك الشيخ في رأسي متتالية حتى أصبحت في الثانية والعشرين، ويبدو لي حين أحاول استعادة الأحداث التي لطالما سمعت عنها منذ بدأت أعي ما أسمع أزيد إصرارًا بأن ما يحدث لا يمت للواقع بصلة ولكن حقيقةً… أنا لا أهذي.
كان الناس يصرخون لا يغنون يرتجفون جراء شدة الانفعال يرفعون قبضاتهم يلوحون بها  في وجه الغباء الأصفر الذي أغشى عيونهم لأكثر من خمسة قرون. والكلمات هي نفسها تعلو وتعلو حتى وصلت إلى كل السراديب والأزقة والمتاجر والحدائق ودور العبادة.
كان الناس يرددون تلك الكلمات البسيطة كأنها القذائف تخترق العمائم والبزات الرسمية ومقاهي المثقفين والعاطلين عن العمل وحبيسي الزنازين وحبيسي النفوس.

“أنا الشعب ماشي وعارف طريقي
كفاحي سلاحي وعزمي صديقي
أخوض الليالي وبعيون آمالي
أحدد مكان الصباح الحقيقي
أنا الشعب ماشي وعارف طريقي”

رأيت الحشود تتشكل في حلقات بشرية صارخة متقافزة ورأيت للمرة الأولى النساء والرجال والأطفال يشبكون الأكف سوية دون أسئلة عن النفس الأمارة بالسوء وعن النوايا الخفية ونقض الوضوء. بل حتى أنني رأيت سائقي المواصلات العمومية يصرّحون بابتساماتهم ويحررون عيونهم من البنزين المحترق حين زغردت أجهزة الراديو في سيارتهم بتلك الكلمات.
رأيت صور الشيخ إمام تلف جدران القاهرة وتصبغها بنظارته السوداء وعوده المائل، تمامًا في مكان إعلانات الكوكاكولا والمصارف الإسلامية والجمل السلفية النفحة والاسطوانات الجديدة وأغلفتها التي تنضح بالحسناوات.
في صنعاء تحلق الأولاد حول أحد الراديوهات في ورشة ميكانيك فألقوا بالبراغي وماكينات اللحام جانبًا وحاولوا جاهدين حفظ نلك الكلمات حتى أنهم قاموا بكتابتها على الحيطان رغم أن أحدًا منهم لم يكن قد رأى قلمًا من قبل.
كانت دمشق تومي للبيروتيين بالاقتراب فرأيت الناس يبتسمون، أتصدقون ابتسامات سورية لبنانية ممتزجة تخلو من وليد جنبلاط ومصطفى طلاس واتفاق الطائف، ابتسامات تحفل لها الشمس نفسها. في تونس كدت أصدق ردود أفعال الناس لأن هذا البلد كان قد استضاف الشيخ بألحانه وأغانيه وذكريات المطاردة والكبت التي عششت في دماغه، ولكن كيف لا يحتاج الناس لمن يرجوهم الخروج من البيوت ويقيّدهم للبقاء في أحد التجمعات الشعبية، كيف يغنون في الشوارع بمحض إرادتهم ويرقصون بلا قيود وشروط وجبال من الجدية والخجل.
إن ما أفزعني حقًا هو تلك الجرأة التي بدت مركبًا طبيعيًا من شخصيات كل أولئك الناس لأن هذا يدفعني إلى السؤال البديهي عن أجهزة القمع المحترفة والمهنية المتمرسة في التعذيب والتحقيقات والقتل وكبت الأنفاس، ماذا حدث لمكافحي الشغب ثم أين الحكومات وأذيال الحكومات متى تمت الإطاحة بهم وكيف بدت ملامح الناس بعد الاحتفال بالتخلص من الرجعية والتخلف والأمية والقمع ألم يعد يسجن المواطن في عمان إذا لم يردد “عاش جلالة الملك المعظم” بعفوية، وهل يكافأ من يسب أمريكا في الرياض. أين عناصر الأمن المركزي المصريين ذوي الأجساد المفتولة، ثم ماذا حدث للإساءة للشعور القومي في سوريا، كيف ارتفعت أصوات السودانيين فجأة وامّحت كل تلك الأحقاد. إن ما قد حيرني هو خلو القدس من أي مؤشر على أربعين سنة من القاذورات لقد بدا الوصول إلى رام الله بغاية السهولة حتى أنني لم أتوقف أمام حاجز رغم أني قد تعبت من التنبيش على الأقل حتى لا أشعر دفعة واحدة أن جميع مركبات حياتي الطبيعية قد اختفت، أين الجنود وأين العملاء وكيف ينتفض الناس بنفس الكلمات التي لم تتوقف حتى اللحظة؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
سرت وكادت الأفكار والدوامات في رأسي تلامس الأرض حتى أحسست أن الإنهاك يفتك بي فقررت أن أرتاح ووجدت نفسي في الطريق المؤدي إلى وادي الجوز من الشيخ جراح في القدس فاتكأت على كتلة خضراء ضخمة قد تبين لي بعد التحقق منها بأنها حاوية للقمامة وهذا ما أفزعني، فما إن أدرت ظهري حتى رأيت ما قد نقش عليها بألوان بلاستيكية تستمد قذارتها من الحاوية نفسها ” أنا الفتاة الكاسية العارية “.
يشبّهون بشرًا بالقمامة، كل ما تذكرته في تلك اللحظة كانت جملة قد سمعتها من عمي محمد الحصري الذي كان السبب في غرقي في مستنقع الشيخ إمام الجميل، فلو لم يعرني ذلك الشريط المسجل يدويًا في ذلك الصيف الطفولي لربما كنت الآن أحتار بين كاظم الساهر وعمرو ذياب. قال لي يومًا أنا أعرف الآن لماذا قد انتصروا علينا وأنا أقول له الآن أنا أيضًا أعلم السبب ولكني أعلم أيضًا بأنني الشعب ماشي وعارف طريقي.

مجلة هوامش٢٠٠٧

رد واحد to “أنا الشعب ماشي وعارف طريقي”

  1. ب Says:

    ياه! دُنيا!🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s