سمي سيد شباب أهل الجنة يستقل أربع طائرات لتحقيق “ثلثي المرجلة”

تراص مبهر للعيون يصفع المشاهد في أحد شوارع تونس العاصمة، يخيم على أردية الناس السواد الذي تتسم به معاطف الشتاء وعباءات رجال القانون. لم يكن السواد هو الصفعة الحقيقية بل هي قدرته على الكلام والصراخ وبث الحرارة في الأجساد التي لم يثقلها الشتاء كما أثقلها الكذب واصطناع الحيل للبقاء فوق الكرسي أو تحته.
أتساءل منذ ثلاث وعشرين ساعة ونيف عن سر فرحي غير المتوقع توقفه عندما رأيت تقريرا يصرح فيه معدُّه عن سبب اندلاع الانتفاضة السيدي بوزيدية رغم استماعي للتقرير نفسه خمس مرات تقريبا. لا يكمن السبب في الأجوبة الجاهزة لانتمائي للشعب العربي حيث أني لا أعتبر نفسي قومية عربية فضلا عن عدم إيماني بهذه الفرضية التي لم يكلف أحد نفسه عبء إثباتها، بل أظن أن السبب هو الحراك فحسب واحتساب نقطة متأخرة للشعب وذلك لاسترداد الكرامة التي لطالما سمعت عنها. من الغريب أن تنسب كلمة الانتفاضة لغير الشعب الفلسطيني فقد احتكرناها منذ نسينا أن الفصيل ليس إلا جزءا من الناقة التي فطمته كي ينمو أمام عينيها ومنذ بدأ البعير بشرب ماء الأغيار.
إن ما جعلني لا أصدق أن الانتفاضات يمكنها الحصول في غير بلادنا الآخذة في التسليم إلى الواقع الذي لا أعلم من حكم عليه بالجمود هي تلك الأصوات التي كانت تصرخ بكلمات أبي القاسم الشابي، رغم رفضي للتصديق أن حياته امتدت لعشرين ربيعا فقط، فلوهلة ظننته لنا أيضا رغم تونسيته عن جدارة. ربما لم أحسب أن نهار الانهيارات قد يطل بشكل نار متصاعدة من جسد أحدهم، لطالما حسبت أن هذا الاحتجاج حكر على الشرق آسيويين المجانين لكن الجنون يثبت ثانية أنه ليس إلا شجاعة قد أحرزت هدفها.
أعلم أن نشوة الثورة هذه ربما تشوبها مخاوف المؤامرات والتمترس وراء الشبابيك التي تتركز فيها النظرات على الملتحي الذي يحمل عصا يشابه لونها لون البقعة التي تكلل جبينه، فأنا أحلم بالخروج من الأبواب لا بإيصادها بأقفال أكثر ثقلا وأحلم بشوارع تغرقها الاختلافات وببلاد وفية لبنائيها الحقيقيين لبلاد لا تلفظ أبناءها وتبصقهم بقوة تضمن فيها ابتعادهم عنها لا أقل من المسافة التي تريد فيها إسرائيل إبعاد البدو عن أراضيهم في جنوب فلسطين. يخيفني الحجاب بكل أشكاله خاصة ذلك الذي من المفترض أن يحيط بالقلوب قبل الألسن وتخيفني العيون الغاضة للبصر عن الحياة خيرها وشرها وأنثويتها. يخيفني سميو أناس لا يعرفون عن أسمائهم سوى كيف تكتب هذا إن كانوا قد عرفوا الكتابة والقراءة يوما. قال الرسول العربي إن السجّاد سينادى يوم القيامة بسيد العابدين ويؤرقني اليوم أن زين العابدين يختار الفرار بدل مواجهة الواقع الذي تعلم جيدا كيف يمتصه ويخنق أحياءه.
لقد صرخ الشباب والفتيات في مصر التي أثقلها عدم الاكتراث شعارا فكاهيا كأنه يكتب سيناريو هروب الرجل المبارك مثل أخيه العابد إذ قالوا ” يا بن علي شوف وتعرف بكرا حسني معاك حيشرف”، تعجبني سرعة البديهة والخلق المتمكن من النكتة وحشوها بالحقيقة لدى المصريين إلا أن بوعزيزهم لم يبزغ بعد بجسده المحترق. لا أريد الانجراف وراء الإعلام الذي يسوق لنا الانتفاضة كأنها زهق من البطالة والكسل وارتفاع سعر الدقيق بل هي ثورة على الثبات والركود وكم الأفواه وثورة على النفوس التي أقنعوها بأنها مطمئنة في رجعتها إلى ربها راضية مرضية إنها ثورة النفوس الساخطة التي لم تعد ترضيها الكلمات والتلاعب بالدساتير الصدئة.
ما يطمئنني ويشعرني بالأمل هو أن التوانسة لم يحطموا متاحفهم ولم ينهبوا ممتلكات دولتهم بل عرفوا تماما أية صوامع عليهم تحطيمها وأية بقرات مقدسة عليهم ذبحها. مع يقيني أن السبحة المذهبة العفنة من الداخل ستتداعى عاجلا إلا أنني أخاف استبدال القمع الموشح بثقافة الاستعمار بقمع عربي إسلامي بامتياز.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s