Archive for the ‘مقالات’ Category

إنهاء الانقسام.. أهو مطلب الأمة؟

سبتمبر 9, 2012

لن أخوض في نشأة شطري الأمة الإسلامية وانقسامها الأول شبه الرسمي بين سنة وشيعة، كما لن أنسبها لمعركة صفين، ولن أنكر اشتدادها بعد استشهاد الحسين. لا يعنيني في هذا النصّ المكتوب تجاوبا مع حالة الاشمئزاز التي أعيشها سوى وضعنا الراهن واشتداد الخصومة التي بات يحلو للبعض اعتبارها عداوة بين الشطرين المذكورين.

 

أغضّ الطرف متعمّدة

لن أتطرق للمفسرين المتكسبين الذين تحوّلت صورتهم في أذهاننا إلى كروش تتدفأ تحت عباءات وعمم نتنة يحملون صرّة من الأموال المعدنية، ولن أذكر أولئك العاملين بدافع تبسيط النصّ للعامّة حبا في شرع الله وإنقاذا للبشر من شرور جهنم. سأتحاشى جمع الحديث وتحديد الثقات والانتقائية الفاضحة في أصول علم الرجال وتسفيه المؤتمنين بنظر البعض وتبجيل السفهاء في نظر البعض الآخر. سأغضّ الطّرف عن الربط بين أُولي الأمر والعلماء وقادة الجّيوش وسأشيح بوجهي عن الدّماء التي سفكت بمباركة هؤلاء العلماء ظلمًا وتجاهلاً لأكثر آيات كتابهم وضوحًا “وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا”، وأكثر أحاديث رسولهم بساطة “قتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا”. سأترك الباب مواربًا للبلاهة والسّذاجة لتصوّرا لي بأنّ أولي الأمر لم يتنبهوا لما يعنيه غضب الله ولعنته وإخراجه إياهم من الجماعة، أي جماعة المسلمين، فضلا عن عذاب حسبهم رادع بأنه عظيم.

الخروج من الملّة ذريعة

سأتمسك بفكرة إخراج أحد ما من جماعة ما تجمع أفرادها فكرة أو إيمان ما، وهو ما أحسبه من صلاحيات الخالق حين يدور هذا الإيمان حوله، ومن هذه النقطة سأدخل في صلب ما يعنيني.

إذا سلمنا بأنّ الأمة الإسلامية تنقسم اليوم بين فئتين أساسيتين ولن أسميهما طائفتين أو ملتين الآن على الأقل وهما الشيعة والسنة، وتجاهلنا انقسام كل منهما لفئات كثيرة أخرى، فإننا نلاحظ طابعا غالبا على علاقة الطرفين وهو انعدامها أصلا، سيما وأنّ الخجل يغلب على الوحدويين من الطرفين كما تخفي أعمالهم الكراهية الطاغية على قوميهم.

وإنني إذ اعتدت على إدانة أولي الأمر في أيّ اعوجاج يصيب الأمة، كما اعتدت اعتبار كل من يقول بإسلامه مسلما، لا يحضرني سوى الذهول من تورّط أبناء الأمة وعامتها وبسطائها في استطابة الانقسام والمغالاة في إبرازه والتبجح به. باستطاعتي فهم دوافع المستفيدين كمديري القنوات الفضائية التي تتربح وتتغذى على تسويغ هذا الانقسام والمشايخ الذين يعملون فيها باعتبارها مصدر رزقهم، كذلك يمكنني إيجاد الحجج المنطقية لرؤساء الدول والأحزاب التي ترتكز على انتمائها الدّيني لتوسيع الهوة بين أبناء الأمة في محاولة مفضوحة لإظهار تفوقها على الآخر الذي لا يشكل منافسا لها أساسا. لكن هل يمكن تفهم الضغائن المتعاظمة التي يحملها شاب فلسطيني سنّيّ لم يغادر بلاده أبدًا للشيعة جميعًا، دون أن يلتقي بأحد منهم يومًا؟

السعودية وإيران

ربما يصعب الاعتراف بأنّ انعدام الإنجاز والشعور المزمن بالفشل يخلق عند البعض أحيانا حاجة لاختلاق تفوّق مصطنع للتخفيف من ثقل العبثية التي تسيطر على حياته، فما بالكم بأمّة كاملة أعظم ما “أنجزته” مؤخّرًا هو الدخول لموسوعة جينيس بأكبر صحن تبّولة؟

يشعر المسلم السّنيّ في أيامنا هذه بالدونية أمام الشيعيّ ويجاهره العداء رغم أنّ أدبيات قومه تشير لعدو آخر هو ذاته من تشير إليه أدبيات قوم الشيعيّ. ينبع الشعور بالدونية -وإن رفضنا الاعتراف بوجوده- من تفوق الشيعي على السني متمثلا بتطوّر إيران النسبي وهي التي يستحسن السنيون تسميتها بالدولة الشيعية، وتصريحات قادتها بنيّتها محاربة أعداء الأمة ولو شكليًا، كذلك حزب الله اللبناني والذي يعتبره البعض منتصرًا ولا يعترف بانتصاره وتصدّره للمقاومة البعض الآخر. في مقابل هذا تنبطح المملكة العربية السعودية الدولة السنية الأبرز سياسيا واقتصاديا تحت أقدام أعداء الأمّة، كما تحتفظ الولايات المتحدة بموطئ قدم دائم في عديد الدّول السنية الأخرى، ممّا يُشعر الفرد بحاجة مُلحّة لتعويض شعوره بالخزي من سياسات أولي أمره. لكنه بدلا من رفض هذه السّياسات ولوم قادة بلاده ينساق وراء أبواقهم متشبّثا بفتاوى إخراج الشيعة من ملة المسلمين وتحريم التقريب ومراقبة القنوات المسمومة التي لا تنفكّ تكرّر إيمان الشيعة بتحريف القرآن وسبّ الصحابة وأمّهات المؤمنين.

لا أنكر أنّ خلافا فقهيا هائلا قد تعمّق مع مرور الوقت بين علماء الطرفين، لكن المصلحة دون غيرها كانت المحرك لهذا الخلاف؛ فمن المعيب بعد أكثر من أربعة عشر قرنا ألا نعي بأنّ مصلحة أولي الأمر غُلِّبت على مصلحة الأمة إلا من رحم ربي.

وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون

لا شكّ بأنّ “ميمري”، مؤسّسة دراسات إعلام الشرق الأوسط، ترى عملنا وتتابعه بدقّة نشطة، تتابع الفضائيات العربية وبالأخصّ القنوات ذات الطابع الديني وتلتقط بمهارة شديدة كلّ ما يثير الجدل ويسيء للإسلام قبل المسلمين. بالطبع لم تخلق هذه المؤسّسة تلك الفيديوهات التي تحرص على ترجمتها ونشرها، إذ تقتطعها من سياقها وتسوّقها على أنها واقع المسلمين، ولم تقم بتجهيز الاستوديوهات وأطقم التصوير والإعداد ولم تدرّس المشايخ في كلياتها أو مساجدها. لم تطلب مؤسسة “ميمري” منالشيخ أحمد الأسير الصراخ مهدّدًا حسن نصر الله ونبيه برّي بأنه لن يدعهما ينامان في الليل، “سلميا طبعا”، كذلك لم تحرّض الشيخ ياسر الحبيب على وصف الخليفة عمر بن الخطاب ببشاعة الخَلق. وإذا افترضنا أنّ لكلٍّ من الشيخين مصلحته بناءً على نزعته الطائفية، فهل نفترض أنّ مؤسّسة “ميمري” طلبت من أناس عاديين تعليق لافتة كتب عليها “عائشة في النار” بالبالونات وإطلاقها نحو السّماء؟ وهل أمرتهم بإنشاد المكتوب عليها وإبداء السّعادة كذلك؟

في الحقيقة لا أجد سببًا يدفعني كعلمانية للتذكير بأهمية الحفاظ على وحدة المسلمين باستثناء التاريخ والحضارة والموروث التي يحزنني تحييدها مقابل استحضار نقاط الخلاف بمناسبة ودونها، كما أعلم جيّدًا بأنّ المستفيدين من اقتتالهم بهذه الطريقة الفجة الحمقاء ليسوا المسلمين أنفسهم.

نحن أحق بالعدل من كسرى

أغسطس 9, 2011

“أنا مش زي مش أنا” (طفل مقدسي لا أعرف اسمه)

على الأرجح أن الاسطوانة المكررة القائلة بأن “على من يريد تحديد مستقبله أن يعي ماضيه” أشعرتنا بالملل الشديد ربما لتكرارها دونما تمعن أو لمجرد استخدامها في غير موقعها أو لعلنا نتهرب من تصديقها لئلا يتعبنا البحث أو يصدمنا غنى التراث.

حين تمر بما يُعرف اليوم بحي الألمانية أحد أحياء ما يُسمّى بالقدس الغربية وتتوقف أمام مدخل مبنى متواضع حفر على أعلى بابه بخط أقرب للديواني “سبحان الله الواحد القهار”، يدهشك تماسكه رغم البار (الكاشير لمهدرين) القابع على يمينه كأيقونة احتلالية تنسجم مع كميات الشراشيب الهائلة المتدلية تحت قمصان ذوي السوالف كمجسات ترصد كل ما هو غير يهودي. كثيرا ما شت فكري وتخيلت واحدا من جماعة السوالف أو معتمري أنصاف الكرات على الرؤوس يراقب ذلك الباب متجهما حين يفكر في طريقة يفسد بها الحروف الصامدة فوقه ربما بمفتاح سيارته أو بمفك يخبئه تحت القميص ويلفه بإحدى الشراشيب إياها.

إن أكثر ما يؤلمني هو إهمال الآثار الإسلامية والعربية في بلادنا ومشاهدة كتابات تتآكل يوميا أو يفسدها الأطفال بلعب الكرة أو “بواريد الحَب” دون أن يقض ذلك مضجع دائرة الأوقاف ويثير حفيظتها. لا يمكنني اتهام دائرة الأوقاف وحدها بإهمال الآثار فالسلطات الإسرائيلية لاسيما ما يُسمى ببلدية القدس تقف بالمرصاد لكل تحرك يهدف لحفظ حجر إسلامي عربي أو فلسطيني واحد، لكنني أتهمنا جميعا.

لا يخفى على أحد منا أن الصهيونية بجميع فروعها وتلك التي تحولت دولة تحاول منذ ما قبل النكبة طمس كل ما هو ليس يهوديا على أرض فلسطين حتى لو اضطرت أن تخترع آثارا يهودية مفترضة أو تعمدت إخفاء الآثار الإسلامية العربية المكتشفة. هذه معركتنا الأولى ولسنا بحاجة لتشغيل عقولنا كثيرا كي نحدد أولوياتنا لكن الألم والشعور بالعجز الحقيقيين ينبعان من إهمالنا نحن وتركنا لتراثنا مرتعا للغرباء. لست متحجرة ولا عنصرية ولا أرفض انتشار ثقافتي وديني وتراثي وتحويلها لمادة خام لدراسات الآخرين لكن الأمر الذي لا نعيره اهتماما هو عزوفنا نحن عن تراثنا وتعلقنا بالقشور التي تضمن للفرد هدأة روحانية ما لكنها لا تقدم الكثير لنا كشعب ذي ثقافة أقل ما يقال عنها إنها امتدت من شرق المعمورة إلى غربها.

بعيدا عما نراه بأعيننا في القدس القديمة من جدران ومبان تحمل عبقرية المهندسين المملوكيين وحرفية فناني العصر الأموي، وعلى رفوف المكتبات وفي أدراج الباحثين تُخزن مخطوطات إسلامية عربية لفترات وجيزة تنتظر باحثا حاد البصر وغالبا يؤمن بالأجندة الاستشراقية ويحفظ توجهاتها عن ظهر قلب. تمتلك المكتبة “الوطنية الإسرائيلية” في القدس أكثر من ألف مخطوطة إسلامية تتباهى بعرضها كل سنة وبطرق وصولها من الدول العربية والإسلامية لدولة العدو الأولى، فكيف وصلت هذه المخطوطات وهل المال ذريعة كافية للتبرؤ من ثقافة كاملة وإهدائها للمعني الأول بإتلافها أو إخفائها.

أنا لا أدعي أن كل الباحثين يخدمون أنظمتهم ولا أفترض أنهم يفتقرون للمهنية لكن تاريخ الاستعمار القريب جدا والذي لعب فيه المستشرقون دورا هائلا في تكريس الاستعمار كافٍ لإثارة شكوكي في نية بعض الباحثين فعن طريق برنارد لويس وهيو كنيدي ويتسحاق جولدتسيهر ولويس ماسينيون يتعرف العالم على تاريخنا.

البيضاء والدة سيبويه والحلاج…. أم نقول ديرنبرج وماسينيون؟

قواعد اللغة العربية بين النحو والصرف تُعتبر من أهم أعمدة ثقافتنا حيث بُنيت وتطورت اللغة العربية شبه خالية من الشواذ إذ يتبع دارسها منطقا واضحا متماسكا منذ وثقه عمرو بن عثمان بن قنبر البصري المعروف بسيبويه في كتابه “الكتاب”. لقد قام هارتويج ديرنبرج المولود في فرنسا بتحرير مخطوطة الكتاب لأول مرة عام 1881 أي قبل سقوط الإمبراطورية العثمانية بأقل من نصف القرن. في عام 1889 صدر “الكتاب” بطبعة بولاق دون محرر إذ تطابقت مع نسخة ديرنبرج وزيد عليها شرح لأبيات الشعر التي تظهر في “الكتاب” بشرح الشنتمري (من سانتا ماريا).

لقد توفي سيبويه في نهاية القرن الثامن للميلاد\ نهاية القرن الثاني للهجرة بعد أن وصلت قواعد اللغة العربية إلى قمة تطورها وتماسكها بفضله وبفضل علماء لا يقلون أهمية عنه مثل معلمَيْه الخليل بن أحمد وأبي عمرو الأخفش وغريمه الكسائي. لكن وفاة سيبويه لم تكن حادثة عادية فقد مات مغتاظا مقهورا بعد منافسة بينه وبين الكسائي بما يعرف بالمسألة الزنبورية لأن الكسائي وببساطة قام برشوة مصدر المعلومات محل الثقة بالنسبة لسيبويه وهم العرب متحدثو اللغة الأصليين غير المستعربين، وهذا هو مربط الفرس. فهل يفقه الأجنبي لغتنا أكثر منا ونحن مصدرها، أم أن علينا أن ننتظر لعام 1999 ليصدر إميل بديع خيري طبعة جديدة للكتاب أكثر ما يميزها الأخطاء. لماذا يتوجب عليّ في القرن الحادي والعشرين تعلم قواعد لغتي مباشرة من فم الفرنسي؟

أخرجت لنا البيضاء في منتصف القرن العاشر للميلاد \ منتصف القرن الثالث للهجرة، الحسين بن منصور الحلاج المثير للجدل، وبعيدا عن هذا الجدل والاتهام بالكفر أو التقديس تظهر أهمية الحلاج كمتصوف صاحب نهج خاص وجالب لنظرية الحلول للثقافة الإسلامية بصرف النظر عن رفضها من قبل العلماء. قام لويس ماسينيون المولود في فرنسا بتحرير ونشر مخطوطة “ديوان الحلاج” والتي حوت أخباره وطواسينه وديوانه عام 1922 واعتبرت بعض الدول العربية ماسينيون شيخا إسلاميا بصفة رسمية. لكن الحلاج مات بعد أن قُطّعت أوصاله وأُعدم علانية كرد فعل على حريته في التفكير وطريقته في العبادة وتهديده لمسلّمات السواد الأعظم من المؤمنين إلا أن التهديد الأكبر كان من نصيب السلطة.

فهل مات سيبويه مقهورا وأعدم الحلاج مصلوبا مقطع الأوصال كي يشتهر المستشرقون؟

علينا الكف عن النظر إلى تراثنا بعيون المستشرقين وإعادة طباعة مؤلفات أهم مفكرينا عن نُسخهم لئلا نستمر في قراءة تاريخنا بأدواتهم وعالم اصطلاحاتهم الذي لم يرسخ سوى الأفكار المسبقة إلا من رحِم ربي. ليس هناك مانع جدي لإعادة تحرير مخطوطاتنا من مصدرها الأصلي خصوصا إن توفرت عدة نسخ من مناطق مختلفة، وإن كان المستشرقون قد حصلوا على هذا الكم الهائل من المخطوطات فلن يضيرنا الحصول عليها بدورنا.

إن تراثنا ملك للبشرية جمعاء لكن واجبنا كأبنائه حفظه ونقله بمصداقية عالية وتعريف العالم عليه كما ينبغي حين يحركنا تقديرُ هذا التراث وانتماؤنا إليه ولا تحركنا مصالح سلطوية أو انتماءات طائفية ضيقة. لا أنكر أن ظروف ومصالح الاستعمار قد سهلت على المستشرق الوصول للمخطوطات واحتكار تحريرها لكننا نعيش اليوم ظروفا مختلفة تماما فرغم تهميش ثقافتنا وإعادة النظر إليها نظرة فوقية (تارة بما يحلو لنا تسميته بالهجمة على الإسلام وطورا بدراسات إقصائية في مؤسسات الدراسات العليا في العالم) لمّا نزل نمتلك ما تبقى من تراثنا كما استطاع عدد ولو قليل من علمائنا ومثقفينا المعاصرين إعادة قراءة تاريخنا وثقافتنا بعيوننا نحن.

فتاوى راكعة للحكام

يوليو 17, 2011

“بقولوا إنه أوقات التاريخ بعيد نفسه… لكن نحنا تاريخنا مدري شو قصته… بضل يعيد نفسه”

                                                                                                (زياد الرحباني)

كانت علاقة السلطة الحاكمة بالممسكين بزمام توجيه الخلق نحو الحلال وثنيهم عن الحرام وثيقة وثابتة لا يشوبها انقطاع أو سوء فهم، ابتداءً من السنة الثالثة والعشرين لهجرة الرسول الكريم حتى لحظتنا هذه. لا فرق إن سُخّرت هذه العلاقة لخدمة الأمة أو للسيطرة المطلقة عليها وقمعها وهي المصلحة الأكثر حضورا في تاريخ الإسلام باختلاف حكامه واختلاف أعراقهم و قربهم من الدين أو تنازلهم عنه حبّا.

أخذت هذه العلاقة في أيامنا طابعا أكثر عملية وأشد انزلاقا وبعدا عن وظيفة العالم الأخلاقية قبل التأويلية والتشريعية واكتسب ألقابا جديدة كرجل الدين مثلا وما هو إلا أداة رخيصة في يد الحاكم يحل الحرام ويحرم الحلال بصرف النظر عن إرادة الأمة ومتطلباتها. فلا رجالَ دينٍ في تاريخ الإسلام حيث لم تذكر المصادر هذه التسمية بتاتا، بل كُني المختص بالنص وتأويله ثم استنباط الأحكام الشرعية منه بالعالم، ولا يتفق العلم بمصادر التشريع مع تقلد مناصب تحت كنف الحاكم هدفها تثبيته فوق كرسيه قبل كل شيء منتهكين بذلك حق الجماعة في تحديد مصيرها ورفضها للحكم الفاسد.

تنتشر الفتاوى الراكعة للحكام بين “علمائنا” اليوم بعضها بداعي الخوف وغالبيتها بدواعي المصلحة الشخصية (المادية) والفئوية والحزبية، حيث يقف المفتي أو الشيخ (وهو لقب جديد آخر) على منابر الجوامع أو يجلسون في الاستوديوهات المكيفة راشقين العباد بالتهديد حينا وبالهداية حينا آخر للاستكانة للحاكم وتحريم الخروج عليه بداعي درء الفتن على أساس أن “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح” وهي قاعدة استنبطها العلماء من الأدلة الشرعية كما يقولون أي أن هذه ليست آية قرآنية ولا حديثا نبويا حتى. كثيرة هي الأمثلة إلا أنني تابعت مؤخرا الشيخ الأستاذ الدكتور كبير مشايخ الجهورية العربية السورية محمد البوطي (بجميع ألقابه) عبر الفتاوى التي يجيب بها عسكريين سوريين رفضوا قتل إخوانهم المطالبين بالحرية أو أناسا عاديين قد نفروا من ممارسات اعتقدوا بسذاجتهم أن الشيخ المفتي سيوافقهم على تحريمها شرعا، وكان في ما قرأته العجب.

سأل أحد الأشخاص الشيخ البوطي “ما حكم من أجبر على توحيد غير الله وذلك من قبل الأمن؟” فجاء رد الشيخ المفتي كما يلي:

” لماذا تسألني عن النتيجة ولا تسألني عن سببها؟ ما سبب ملاحقة هذا الشخص وإجباره على النطق بكلمة الكفر التي تذكرها؟ أليس سبب ذلك خروج هذا الشخص مع المسيرات إلى الشارع والهتاف بإسقاط النظام وسبّ رئيسه والدعوة إلى رحيله؟ لماذا لا تسألني عن هذا السبب وحكمه وموقف رسول الله من هذا العمل؟ ألا تعلم – والمفروض أنك تقرأ القرآن- أن الله نهى المسلمين على استثارة المشركين بسب أصنامهم، ولم يتحدث عن سب المشركين لله نتيجة لذلك؟ لماذا الإصرار على مخالفة أمر الله وأمر رسول الله، ثم التشدق بعد ذلك بالسؤال عن حكم الإسلام في حق النتيجة التي انبثقت عن هذه المخالفة؟!.. استجيبوا لأمر رسول الله القائل في حق مثل هذه الفتنة (عليك بخاصة نفسك) ثم انظروا هل ستجدون من يلاحقكم إلى بيوتكم ويجبركم على النطق بهذا الكفر؟”

سأتحلى بالكثير من ضبط النفس والقليل من ضبط ابتسامات الشماتة بجناب المفتي حيث يرتكب خطأً شنيعا في اعترافه ضمنا بحق النظام السوري في إجبار الناس على الشرك عقابا على مسيرات احتجاج! وهي أكبر الكبائر ثم تبرير موقفه (الذي لا أعرف إن كنت سأصفه بالسخف أو الغباء أو الوساخة) بحديث ضعيف حتى لو ورد في سنن الترمذي وأبي داوود وابن ماجة فقد ضعّفه الألباني وهذا كفيل بعدم اعتماد الحديث لنقض حكم قطعي الثبوت والدلالة وهو تحريم الشرك بالله فضلا عن إصراره على أن يلتفت كلٌّ إلى شأنه وهو بهذا ينتهك أول مبادئ الإسلام بكونه دينا للجماعة، فيقول الحديث الذي اقتبسه البوطي:

” بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم. قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة قيل يا رسول الله أجر خمسين منا أو منهم قال بل أجر خمسين منكم”.

 لم تخلُ علاقة مدعي احتواء الدين والسلطة من مصالح الحكام أو المفتين والعلماء الشخصية الضيقة جدا، فلا دليل أوضح على متانة هذا الرابط بعيدا عن حسن استخدام أدوات التشريع من حادثة وقعت بين هارون الرشيد وجاريته و”التخريجة” التي أوجدها أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة لسيده. تقول القصة:

“في يوم ما مر هارون الرشيد في قصره فوجد جارية جميلة فأعجبته فدعاها إلى نفسه فقالت لا أحلُّ لك يا أمير المؤمنين فقال كيف فقالت لقد طاف بي أبوك قبل ذلك. فجن جنونه وأرسل إلى أبي يوسف وقص عليه القصة وطلب منه مخرجا لورطته وأنه لا بد أن يطأها في نفس الليلة. فقال له يا أمير المؤمنين أوَكلما قالت جارية حكاية صدقناها فلعلها كاذبة، وأحل له الحرام.”

تزخر مصادر تاريخ الإسلام بحوادث وحكايات كالمذكورة حيث تتغير تفاصيل المصلحة غير أنها لا بدّ مرتبطة بالحاكم وعائلته والمحيطين بهم. لا يمكن إنكار بعض فوائد هذه الثنائية فقد أدت علاقة الخليفة المأمون بعلماء المعتزلة واعتناقه لمذهبهم إلى نهضة علمية وفنية ورفعت من مكانة العقل بدل النقل، رغم اتصاف فترته بالعنف ضد علماء عارضوا فكره كابن حنبل خصوصا ذلك المتعلق بالفلسفة أو الحكمة كما سماها العرب. لكن هذا الإنجاز المتمثل بالنهضة العلمية أو الإخفاق المتمثل بالتجهيل والقتل لا يبرران الربط بين الدين والسلطة أو يثبت صحته. اعتبر عدد لا بأس به من علماء السنة المعروفين (المعاصرين منهم والسابقين) الخروج على الحاكم مرفوضا مهما كان هذا الحاكم فاسدا متجاهلين بذلك عشرات الآيات القرآنية الواضحة وضوح الشمس في فرض الجهاد ضد الحكام وأولي الأمر الجائرين الفاسدين ورفض الظلم قبل كل شيء أذكر منها:

(1) وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً (النساء : 75)

 (2) وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (الشورى :15)

كما وخاطب الله المؤمنين ناهيا إياهم عن اتخاذ “رجال الدين” آلهة أي الأخذ بأقوالهم وأفعالهم دون نقاش ضاربا الأحبار والرهبان مثلا وفي ذلك درس للمسلمين قبل غيرهم، فقال:

(3) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ (التوبة : 34)

لا أسهل من استخدام النصوص المقدسة أو النصوص المعتمدة للتشريع بصرف النظر عن قدسيتها في استباحة حياة الناس والحفاظ على السلطة، خاصة وأن كثرة التفسيرات والتأويلات واحتكارها حالت دون تناول المؤمن العادي للنص مباشرة محاولا فهمه واستخلاص الأحكام القطعية على الأقل وحده دون وسيط. لم يكن الإسلام المعاصر وحيدا في هذا الميدان فممارسات الكنيسة القمعية سبقته كما استغل حاخامات اليهودية السلطة على “أحسن” وجه. إن الحد من سلطة ما يسمى برجال الدين وتنحيتهم عن الساحة السياسية مطلب ملحّ الآن بالذات خصوصا في ظل الثورات العربية الفتية حين تُبنى دول مؤسسات يلتزم فيها كل ذي اختصاص باختصاصه ولا يتعداه مستمدا قوته من النص المقدس الذي يتلاعب بتفسير كلامه مستغلا استسلام الناس وملبيا مصالح الحاكم. فلا يمكننا أن ننسى تغطية الأزهر بعلمائه ومشايخه على خيانة كامب ديفيد وأخطاء غيره كثيرة فأولا ضبابية انتماء الإسلاميين العرب الوطني والقومي وليس أخيرا محاولة إفشال النزول إلى الشوارع من جديد والالتفاف على إنجازات الثورة المصرية التي كانت ملامحها علمانية بامتياز.

رابط الفتوى: http://www.naseemalsham.com/ar/Pages.php?page=readFatwa&pg_id=14658&back=8928

الشيخ البوطي يعرف ويحرف

يونيو 7, 2011


هل القاتل المُلجأ إلى القتل لا يعتبر مجرماً شرعا لكونه مجبراً؟

رقم الفتوى 13060 05/06/2011

“شيخي الفاضل أنا جندي في الجيش السوري وقد اختلفنا مع بعض هنا في حال إذا أمرنا الضابط المسؤول عنا بضرب المتظاهرين بالرصاص الحي هل نمتثل للأمر أم لا ؟ وللعلم فإننا إن لم نقم بضرب المتظاهرين سنقتل حتما ونريد جوابا شرعيا فكلنا نثق بعلمكم لنعرف كيف نتصرف نرجو الجواب بأقصى سرعة. وشكراً”

أجاب عنه: أ.د.محمد سعيد رمضان البوطي

“نص الفقهاء على أن الملجَأَ إلى القتل بدون حق لا يجوز له الاستجابة لمن يلجئه إلى ذلك، ولو علم أنه سُيقتل إن لم يستجب له، ذلك لأن كلا الجريمتين في درجة الخطورة سواء، ومن ثم فلا يجوز للملجَأ إلى القتل تفضيل حياته على حياة برئ مثله.”

السؤال:

يتساءل هذا الجندي الذي يعذبه ضميره أو يتعبه وازع ديني ما إن كان قتله للمتظاهرين بأمر من ضابطه يعفيه من الإثم شرعا، وهو بهذا يؤكد لنا ما تحاول السلطات السورية نفيه منذ أربعة وثمانين يوما بأن الأوامر قد صدرت بإطلاق النار على المتظاهرين منذ اليوم الأول. كما يؤكد لنا الجندي المنهك نفسيا أن جيشه قد صور له بأنه ذاهب إلى ساحة معركة ربما يقتل فيها مع أن الجندي استخدم لفط “المتظاهرين” وليس “المسلحين” وهو على الأرجح ما يراه في الشوارع. الأمر الثالث الذي يؤكده لنا هذا الجندي أن هناك حالة من التساؤل إن لم نقل اختلاف الآراء وبالتالي الانقسام في صفوف الجيش حيث يتساءل الجنود عن مدى صدق وصحة ما يفعلون.

الجواب (الفتوى):

محصلة فتوى البوطي تقر بعدم جواز قتل المتظاهرين وعدم إعفاء المُرغَم على القتل شرعا لأن حياته ليست بأفضل من حياة بريء مثله وذلك شريطة أن يكون الإرغام على القتل دون حق. بهذا يثبت لنا الشيخ البوطي إنكاره علنا لحق الثوار السوريين بالتظاهر رغم يقينه شرعا أن هذا حقهم ولا يستوجب القتل إطلاقا فضلا عن تحريمه لهذا القتل بصورة جلية في الفتوى. ويثبت كذلك أنه من أكثر المشايخ تواطئا مع الأنظمة المجرمة كونه يعلم العقوبة الشرعية لارتكاب هكذا جرائم ويواصل دفاعه عن النظام ومساندته. يعترف البوطي في هذه الفتوى ضمنا بأوامر القتل التي تصدرها السلطات السورية حيث لا ينكرها في نص الفتوى أبدا إضافة إلى عدم اشتراط خوف الجندي أن يقتل بدوره لتبرير قتل المتظاهرين وذلك لتساوي الجريمتين على حد تعبيره. ربما يقول قائل إن الشرط الأساسي لتذنيب القاتل مرغما والذي ذكره البوطي في فتواه هو ألا يكون القتل على حق وبهذا فإن البوطي يستطيع الخروج من هذا المأزق بادعائه بأن هناك مسلحين مندسين يسعون لتفتيت الأمة وهنا لا نستطيع إلا أن ترك هذا الادعاء لأصحاب الضمير والأعين المتابعة لكل ما يصدر عن الثورة السورية وفيديوهات انشقاق الجنود البواسل عن الجيش والأمن اللذان يقتلان شعبهما ويوزعان الأسلحة فوق جثث تنافر محتوى أدمغتها من الجماجم. ولكن ألا تذكر أيها الشيخ أن “من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا النّاس جميعاً” المائدة 32.

رابط الفتوى:

http://www.naseemalsham.com/ar/Pages.php?page=readFatwa&pg_id=13060

رَكِبْتُ عَلَى التَّغْرِيرِ

مايو 24, 2011

لَقَدْ رَكِبْتُ عَلَى التَّغْرِيرِ وَاعَجَبًا                        مِمَّنْ يُرِيدُ النَّجَا فِي مَسْلَكِ الْخَطَرِ 

                                                                                           (الحلاج)

لم يكن الغلاة الإسلاميون أبناء زماننا أو من يحبون تسمية أنفسهم بالجماعات أو الأحزاب الإسلامية، أو حتى السلفيين بفرعيهم الجهادي والدعوي، أول من احترف مهنة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” دون أيما اعتبار للسياق الاجتماعي والديني الذي يعيشون فيه (أو يعتاشون!) على ما يسمونها انتكاساته في تاريخ الإسلام الطويل العريض. فقد سبقتهم جماعات كثيرة كالخوارج مثلا، إلا أنه يمكننا القول إن دوافع الخوارج أكثر نظافة من دوافع الجماعات التي تحترف المهنة المذكورة اليوم. فعلى الأقل، كان تنفيذ الخوارج للقصاص بمنأى عن أي جسم قانوني أو ذي شرعية شعبية (وهو الذي يطبّق الشريعة الإسلامية ذاتها بالمناسبة)، يهدف إلى الحفاظ على روح هذا الدين وشريعته، وبالتالي حياة المواطنين، من خلال رفضهم الحاكم الجائر قبل رفضهم لبطانته. الخوارج لم يتعرضوا لمن ينسدل شعرها إلى ما تحت الجيوب أو لمن امتنع عن الصلاة في المسجد ذات فجر، مثلا.

 بعض الذين يقرأون المصحف ولا يفوتون كلمة بين الدفتين، ويقيمون صلواتهم جلها في المساجد جماعة، ويتجنبون كل حديث مع الجنس “الخطر” لئلا يقعوا في الفتنة، يظنون أن التزامهم بالبقع البنية فوق جباههم وذقونهم المشذبة، يحولهم إلى مُرسَلين لدرء الفتن وإصلاح المجتمع الذي أفسدته مباهج الدنيا، أو ما يحبون دائما ترديده من أن مجتمعاتنا العربية اليوم تتأثر تأثرًا أعمى وسلبيا من الغرب لا بل وتقلده بلا تفكير..

حسنا…

لننطلق من نقطة التفكير إياها.

في مجتمعنا الفلسطيني وفي كافة الدول العربية تنتشر مجموعات الإسلام السياسي وتعتبر الدين الإسلامي بنصّي القرآن والسنة مرجعا لمواقفها وحتى لتصرفات أفرادها، ابتداءً بالعبادات وانتهاء إلى المشاركة في الثورات أو ادعاء ذلك. والسؤال الذي لا يربكني هنا لكنه جدير بالذكر: هل يفكر هؤلاء بمراجعهم أم يكتفون بترديد كلام الشيخ محمد حسان (التيار السلفي الدعوي- مصر) أو الشيخ عمر عبد الكافي (الإخوان المسلمون- مصر) أو الشيخ البدري (التيار السلفي الدعوي- مصر) أو الشيخ رائد الفتحي (الحركة الإسلامية- الشق الشمالي) وجميعهم من الوجوه الإعلامية؟  إن العجيب في أمر هذه الجماعات أن قولها واحد لكن أفعالها تتضارب، بناءً على مصالحها الحزبية والفئوية بالطبع. فنجد حركات الإسلام السياسي تنضم للثورات العربية متأخرة متثاقلة كما حدث في مصر. ثم تنقسم آراء شبانها وشيبها في ضرورة العودة للشارع مجددا حيث لم تحقق الثورة مآربها فيتحالف قادة الإخوان المسلمين مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي تعامل بهمجية مع المتظاهرين أمام السفارة الإسرائيلية في القاهرة وتعلو الأصوات الآن حتى من داخل كوادر الإخوان الشابة باتهامه بالتواطؤ مع النظام المخلوع. أو حتى تراهم يفتون بتحريم التظاهر وينكرون ذلك بعد نجاح الثورة كالشيخ البدري أحد أهم مشايخ التيار السلفي الدعوي في مصر،  أو نراهم يحاولون اعتلاء ظهور الثوار كي يوهموا أو يتوهموا أنهم شركاء في هذه الثورة، مثل إخوان سورية الذين لم يعد لهم وجود سوى في أذهانهم. ولنتابع كيف لا يرتل مشايخ آل سعود الآية القائلة “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة”؛ وكيف يدافع حزب الله باستماتة عن حق البحرينيين في المعارضة وينكرها على جيرانه السوريين.

الأمثلة كثيرة، لكن المشكلة تكمن في “تكبير راس” الإسلاميين وترك الساحة مستباحة لحمّال الطبل لتوجيه الأسئلة الوقحة وكيل الاتهامات لكل من لا يجاهر باتـّباعه! صحيح أن الشعوب العربية عامة وهي المؤمنة بالفطرة والتي لطالما كانت هكذا، التفّت في فترةٍ ما حول الجماعات الإسلامية ودعمتها بل وأعجبت بأطروحاتها وما تزال، لكن ذلك جاء كما يُشاع نتيجة لإخفاق الأيديولوجيات الأخرى، القومية والشيوعية على وجه التحديد. إن هذه النتيجة التي يخلص إليها المحللون وهم غالبا علمانيون ترمي إلى أن الشعب العربي لم يتبنّ نظرية أو أيديولوجيا نتيجة تفكير وتحليل ثم استنتاج بأن هذه النظرية تتوافق مع عقليته؟ وهنا يتعين علينا أن نتساءل عن ماهية التفاف الشخص أو المجتمع حول الجماعات الإسلامية: هل فكر وحلل ثم خلص لنتيجة مفادها بأن هذا ما يتوافق مع عقله؟ أنا لا أتحدث عن العبادات بالطبع، فكوني علمانية يحتم عليّ احترام عقائد الجميع وممارسة حريتهم في العبادة، لكني أتحدث عن النظام السياسي الذي ينطلق من هذه الأيديولوجيات وما يترتب عليها. وبما أنني أؤمن بالشارع من أكبر عجوز إلى أصغر طفلة فإنني على قناعة تامة بأن ما يسمونه سقوط الأيديولوجيات هو نتيجة حتمية لإخفاق منظري هذه الأيديولوجيات في تطويعها وملاءمتها للشارع العربي وسهولة استهلاك الدين سياسيا لدى منظري الإسلام السياسي وليس خللا في تلك الأيديولوجيات أو في الشارع. لكن قناعتي محسومة أيضا بأن رجل الشارع يستطيع لوحده الاختيار ولا  يمكننا التعامل مع شعب كامل وكأنه عقلية واحدة موحدة. والعلمانية إذ تتعدى النظريات واحتكار الأيديولوجيات للتعددية يسهُل على المجتمع اختيار منظومة حياتية تتلاءم مع تطلعاته بصرف النظر عن تدينه أو نقيض ذلك.

نستطيع أن نرى وبوضوح أن العلماني في عالمنا العربي يسلك الطريق الأكثر وعورة، والسبب الرئيسي هو الاتهامات الجاهزة بالإلحاد والتقليد والانقياد وراء الغرب الكافر وما شابه. وحين انشغل العلماني واليساري في إيجاد أجوبة لهذه الأسئلة وبلغة سائلها، فقد أخلى الساحة وأتاح الفرصة للإسلاميين لفرض هذه اللغة ولزيادة ثقتهم بالنفس وإيهام الشارع العربي بقدرتهم الفذة على حل مشاكل الأمة بأسرها وذلك بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، بزعم أنك حين تطبق أحكام الخالق على الأرض ستكفل نهاية حقيقية للظلم والكذب والسرقة والرشوة وإلى آخره من التجاوزات التي منعتها أخلاق البشر حتى قبل نزول الأديان علما أن أقصى ما يصبو إليه الإسلاميون هو تحقيق قانون العقوبات الشرعي وليس الشريعة كاملة باختلاف مؤوليها وفيها شيء من التعددية. نتيجة هذا كله استقوى الفرد في الجماعة الإسلامية وظن أن من واجبه تخليص الأمة من كل من يدعو للدولة المدنية وفصل الدين عن الدولة باعتبار هذه الكيانات العلمانية ضربًا لعفة المسلمة بالتحديد، وهي الحلقة الأضعف، وحثًا على الفجور.

إن ما نسيه العلماني في أيامنا هو أن لديه مفكرين لا مكرِّرين وأنه لا يستمد شرعيته من استغلال إيمان الناس بالغيبيات ولا يتوجه إليهم كالقطيع، إضافة إلى قربه من الشارع وهمومه اليومية ولا يبني مواقفه الاجتماعية والسياسية على ردود أفعال الناس بعد خطبة طويلة عن عذاب القبر. وليس لهجومي على إسلاميي اليوم أية علاقة بالنص الذي أدعي وبكل ثقة عدم فهمهم له، ولا بتاريخ الإسلام وثقافته، فهذا التاريخ والثقافة ليس حكرًا على أحد. إن اختباء العلمانيين وخوفهم من التهديد والوعيد أطلق العنان لهياج الإسلاميين ضدهم، خصوصًا أن كثيرا من منظري العلمانيين الجادين قد هوجموا بأشدّ الأساليب مثل نصر حامد أبي زيد، أو قتلوا مثل فرج فودة. فقد خدم العلمانيون الذين هربوا من الساحة الإسلاميين بهذا وصنعوا منهم أبطالا، إلا أن هذه البطولة تظل زائفة. فليست العلمانية تهمة كي نخجل بها وليس ما يجول في أذهاننا ونفوسنا مادة لفتاوى أحد، ولا يجوز أن نترك الميدان مجددا لمن يتسترون بالدين كي يحصلوا على شقة أو سيارة أو أتفه منها، وهم العطشى للسلطة بأي طريقة.

أنا شابة عربية مسلمة التاريخ والثقافة والحضارة، لا أمتّ للغرب بصلة لا بالملامح ولا بطقم الأخلاقيات والعادات والتقاليد والتصرفات. أنا حرة لأن ثقافتي قد أورثتني عبارة شديدة البساطة والوضوح تقول: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا” ومن مصدر هناك إجماع على أنه ثقة. كذلك، وردني بالنص الصريح أن “لا إكراه في الدين فقد تبين الرشد من الغي” و”فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”؛ وأورثتني ثقافتي كذلك أننا “أعز بني الدنيا وأعلى ذوي العلا وأكرم من فوق التراب ولا فخر”. أعتز بثقافتي الإسلامية وأدرسها يوميا لكني أعتز كذلك بيساريتي ونهج التحرر من كل إملاء ظالم يحاول إلغاء حقي في قول ما أريد بمختلف الذرائع. ولا أعتقد بأنني مدينة للإسلامي وغيره بتفسيرات حول مسلكي في الحياة. فإن كان يعتقد بأنه قويّ بالقاعدة الشعبية من حوله فلدينا نحن قاعدتنا الشعبة كذلك. وإن كان سعيدا بحفنة مشايخه الذين لم يأتوا بجديد منذ الغزالي فلدينا مفكرونا الذين يبحثون في النص نفسه والموروث نفسه ويصلون إلى استنتاجات أكثر نفعًا للمجتمع وتواصلا معه.

لو افترضنا أن الفرد قادر على تحديد مواقفه بناء على التمعن والتدقيق وليس الترديد والتلقين، وهذا ما أؤمن به، فسنجد البساط يُسحب من تحت الإسلاميين. لأن أحدا منا لا يريد العودة إلى الوراء. تظل طريقنا شائكة، إلا أن كلمات الحلاج أعلاه تبقى أقوى بكثير من مهانة “حط راسك بين الروس”.

محمد نفاع… ما هذا؟

مايو 12, 2011

بدأ المثقفون بالتهاوي والإمساك ببعضهم البعض والهدف هو إسقاط المزيد من المثقفين أو أولئك الذين ظنناهم مثقفين يوما في كافة الأقطار العربية لاسيما الثائرة منها. لن أبني قائمة عار جديدة فالشباب قاموا بالواجب وأكثر لكن مقالا عجيبا قرأته اليوم خطّه الكاتب الذي لطالما أحببه ولما أزل محمد نفاع الأممي يساري الذهنية أو هكذا ادعى وصدقته، أصابني بالدهشة والتساؤل عن ماهية ملاحقتي لمقالاته التي دأب على إعدادها في جريدة الاتحاد التي لا أتوانى عن وصفها بالمقاوِمة رغما عن إخفاقاتها الكثيرة. لا أتهم الكاتب الرائع محمد نفاع بالتهاوي ولكن هل يعقل أن يتمخض تحليلك السياسي للثورة السورية إلى حد التشكيك فيها؟ أم أن الشعب السوري المسكين ليس من ضمن الأمم التي تستحق التضامن معها؟

أنا أصدق يا سيدي محمد نفاع أن قوات الأمن والجيش السوريين يعدمان ميدانيا الجنود السوريين الشرفاء، الذين يرفضون تلطيخ أيديهم وتلطيخ سمعة الجيش السوري الذي وضعه النظام الأسدي في المخازن بدماء الثوار الأحرار، فهذا ليس غريبا على النظام الذي يتعمد إرسال كتائب من طائفة معينة لقمع احتجاجات طائفة أخرى رغم رفض جميع المتظاهرين وليس جلهم للطائفية لكن التوزيع السكاني يفرض تواجدا لطائفة دون أخرى في مناطق جغرافية معينة. نعم أنا أصدق أن المتظاهرين هم سوريون أصيلون لا يندس بينهم سلفي أو مسلح. ثم ما الذي يدفعني وأنا الفلسطينية المحتلة التي حاول النظام السوري تدجين مقاومتها لتصديق إعلام هذا النظام أم أن كل كلمة يتلفظ بها البيت الأبيض مهما كانت ناعمة ورقيقة ضد النظام الأسدي علينا أن نستنتج أنها موجهة ضد الشعب السوري نفسه. لقد رفض الثوار السوريون أي نوع من التدخل الخارجي وهم لا يكترثون لا لعقوبات ولا لإدانات دولية فكما قُمعوا بالقوة لا بد أن يتحرروا بالقوة لكن شتان بين قوة النظام الأسدي المكللة بالدبابات والرصاص الحي وبين قوة أرواح الثوار وصدورهم العارية وإرادتهم غير المسبوقة رغم القتل والاعتقالات والإرهاب فالقوة بعرف المتظاهرين لا علاقة لها بالسلاح فسلاحهم الوحيد شعاراتهم وتواجدهم للأسبوع السابع في الميادين والساحات.

لسنا بحاجة للتشكيك في دماء الشهداء ولا للاستماع لتحليلات مؤامراتية أكبر ما تصبو إليه هو إقامة نظام شيوعي جديد في سورية. لا سيدي فللشعب السوري الحرية باختيار نظامه سواء كان ديموقراطيا أو حتى إسلامي صوفي أو مسيحي متجدد، وليس لنا أي حق في التدخل.  أنا علمانية حتى العظم وأرفض الأنظمة الدينية مهما كانت لكني لا أصدق سخافة ادعاء النظام السوري بوجود السلفيين خصوصا بعد شعارات المتظاهرين التي رأيناها جميعا “لا سلفية ولا إخوان”.

سيدي نفاع أرجو أن تعيد النظر في مقالتك العجيبة فلا أحد مهما كان تاريخه مشرفا وصادقا يتنزه عن عقول الناس وإعادة تفكيرهم في مواقفه رغم عدم توافق هذا الموقف بالذات مع مواقفك المنصفة التي عودتنا عليها. وعلى جميع المثقفين والفنانين الذين نثق بهم أن يعلموا أن الثورات العربية تفرض ذوقا جديدا وسلطة جديدة للقاريء وللمتلقي في اتخاذ مواقف منهم ومن إبداعاتهم وهي ليست إلا سمة من إعادة الحقوق إلى أصحابها. أرجوك يا محمد نفاع أن لا تخذلنا.

رابط مقال محمد نفاع: http://www.aljabha.org/index.asp?i=59576

يا مشايخ حماس… اتقوا الله

أبريل 3, 2011

لم يكن نقاش الفقهاء المسلمين حول فساد أولي الأمر عبثا أو محض تفرغ، فقد احتل النقاش الساحة الفقهية ابتداء من السنة الخامسة والثلاثين للهجرة بعد مقتل الخليفة الثالث وزوج ابنتي الرسول الكريم والذي اعتلى كرسي الخلافة ما يقارب الاثنتي عشرة سنة وأحد العشرة المبشرين بالجنة وجامع المصحف. لم تكن امتيازات عثمان المذكورة لتحول دون انتقاده واتهامه بتفضيل عائلته وحتى هدمه لهيبة الخلافة إلى درجة الاعتداء على جثته وكسر ضلعه ميتا. إن هذا الهجوم رغم عنفه ووصوله لشخصية بأهمية الخليفة يدل من ضمن ما يدل عليه، أن  إرادة الأمة حرة ولا تقف أمامها ألقاب. إن رفض الفقيه واصل بن عطاء علانية لمحاربة الصحابة بعضهم البعض في معركة الجمل هو خير دليل على التعددية والحرية في تذنيب حتى أصحاب الأسبقية بالإسلام واتهامهم بتفريق الأمة وإشعال الفتن.

نتج عن هذا النقاش العميق ومتعدد الوجهات فرقا إسلامية عدة، إلا أن جزءا من هذه الفرق اختار الانحياز للجماعة أي ما يمكننا تسميته بالشعب في أيامنا هذه علما أن الإسلام هو خير دين للجماعة. فلا يصلح هذا الدين ولا نصُّه القرآن لخدمة النخبة وتتجلى المفارقة في استخدام هذه النخبة (التي تغيَّر اسمها من بني أمية إلى بني سعود للمثال لا للحصر) للنص ذاته أو لمصدر التشريع الثاني من حيث الأهمية وهو الحديث النبوي لخدمة المُلك والقمع والتفرد بالسلطة وتوريثها مما يضمن الضرر للجماعة فقط.

من الناحية الثانية انحازت فرق أخرى للحاكم وعائلته وما يترتب عليهما من تحييد متطلبات الجماعة واحتياجاتها وإرادتها واستخدمت كل ما يمكنها من أدوات البلاغة والالتفاف على النص واختراع أحاديث تدعم صاحب السلطة. تمتاز هذه الفرق بقدرتها على التكفير وزج الآخرين في خانة محاولة تفكيك الأمة والتأثر بما ينأى عنه دين الإسلام. نجد في أيامنا هذه توريثا للسلطة دون الرجوع للجماعة والأخذ بتطلعاتها فضلا عن تزوير المواثيق والدساتير علانية لتسهيل عملية الخداع، لكن ما يؤرق الأمة ويقض مضجعها هو “بصم” ما يسمون بالفقهاء وأهل الحل والعقد بأصابعهم العشرة للمورثين والملوك متخذين القرآن والسنة مصدرا لتشريع هذا الفض الصارخ لمواثيق الأمة التي يفترض أن تحكمها الشورى. يقول الشيخ البوطي وهو يمثل ببراعة دور الحريص على أرض الوطن ومصلحة شعبه “فوجئنا بخطة رسمت في الخارج ودفع بها إلى المجتمع السوري”. ويقول الشيخ أحمد حسون مفتي بشار الأسد “وما حدث في درعا وما حدث في الصنمين وما حدث في اللاذقية هو أمر خارجي وستسمعون التحقيقات بعد أيام أو ساعات قليلة”. ماذا يكون هؤلاء غير منافقين ومشايخ سلطة يبيعون الدين قبل الشعب من أجل مزيد من الشهرة والمال في عهد الملوك الجدد.

هل هناك مميز للمُلك أوضح من التوريث؟ كيف يستدل فقهاء اليوم على موافقة قرآنية أو سنية على المُلك حين يقول الله تعالى “إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة”[1] الآية. ربما يدعي البعض أن الآية تقصد الملوك الذين يدخلون الأرض عنوة، أسأل هؤلاء إن وجدوا هل دخل بشار الأسد سوريا واعتلى رقاب الشعب بالورود؟

يا من تعلمون أن كلمة الحق ذكرت في القرآن 227 مرة فهل أوضح من الآية القائلة “ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون”[2]. أم أن قول الحق لم يعد من مميزات مشايخ هذا العصر ولا يقوم بهذا العمل المشرف غير المتظاهرين العزل الذين لا يستطيعون حتى إسعاف جرحاهم أو العلمانيون ممن يهاجمهم نفس مشايخ الباطل؟

كثر استعمال السلطات السورية للشعب الفلسطيني وقضيته في تبرير اتهامها السخيف للثوار السوريين بالعمالة والدس من الغرب فرأينا الأعلام الفلسطينية تُرفع في تمثيليات التأييد التي ملأت شوارع سورية بالعار فجاء رد جزء من الفصائل الفلسطينية أكثر عارا إذ رجف ممثل الجبهة الشعبية القيادة العامة في دمشق خوفا من احتمال اتهام الفلسطينيين في المشاركة بالثورة السورية وكأنها تهمة تعيب، إلا أن ما أفقدني صوابي كان رد مشايخ حماس وبيانهم الشائن الذي يصف النظام السوري بالممانعة واحتضان المقاومة الفلسطينية وهو لم يحرر أرضه المغتصبة بدوره. هذا في الوقت الذي تحمل فيه حماس حسب زعمها لواء الإسلام ونصرة المظلومين.

أخاطب مشايخ حركة حماس باللغة التي يقولون بأنهم يفقهون رغم قناعتي بأن من يهلل للباطل وينسب له البطولات لا يمت لهذه اللغة والتراث بصلة بل يلعب دور الجهم بن صفوان والجعد بن درهم فليست قضية الإرجاء فقهية فحسب بل سياسية تليِّن للحاكم قلوب العباد أو تستغفلهم ولا تكفر الحاكم الفاسد عن غير دراية وتفقُّه بالمصدر كما يشهد التاريخ.

ما الذي يفعله بشار الأسد ونظامه غير الباطل أم أن سفك دماء الأبرياء وهدم السجون فوق رؤوسهم وتقطيع أطرافهم لا يعد باطلا؟ هل يمكن أن يخطيء مليون سوري من كافة طوائف هذا البلد المسكين بين ليلة وضحاها ويتلقون المعونة الخارجية للنيل من النظام الوحيد الواقف ضد إسرائيل؟ أود أن أخبركم بأن من يستحل دماء شعبه ليس إلا الباطل بعينه فلا أعلم كيف تستطيعون التفريق بينه وبين دكتاتور ليبيا وتكيلون له المديح وتتجنبون الوقوف مع الشعب الذي قتل منه الآلاف منذ انقلب  الملك السوري حافظ الأسد وبعد أن أورث ابنه البلد ليعتقل أبناءها ويقتل نساءها وأطفالها وبالجملة.

وأخيرا أرجو أن تقاتلوا في سبيل الحق كما تدَّعون دوما ولا تتبنوا مواقف ضبابية تحاولون من خلالها كسب رضا الجميع لأن الشعب السوري لا يرضى بالمتاجرة بقضيته ودفع رئيسه (الذي يحاول إزالته وسيفعل) لمزيد من القتل والإجرام. وأذكِّركم أن عددا كبيرا جدا ممن قُتلوا ويقتلون يوميا في سورية هم مسلمون إن لم يهمكم انتماؤهم للعروبة.


[1] النمل: 34

[2] البقرة: 42

القمع العربي والأمثال الشعبية

مارس 26, 2011

إذا ربطوا البغل بحد الجحش.. يا هاذ بعلمو الشهيق يا هاذ بعلمو النهيق

وما يتميز به الحيوانان المذكوران (انتو أكبر قدر) هي التياسة بصفة عامة. فلا أسهل من نقل هذه العدوى بين الحكام العرب الأكارم الذين يوزعون على بعضهم البعض كاتالوجات مفصلة عن كيفية تكبيل كل من يستخدم يده في غير استخدامها الطبيعي من أكل وارتداء الملابس والكتابة (في حد المقبول والمسموح) والعمل (ليس في السياسة) والحكة وفهمكم كفاية، ثم الانقضاض عليه وكيل الضربات الدقيقة التي تحفر أثرها في النفس وتمّحي عن الجلود. يستخدم الحكام العرب نفس الأساليب الهشة ويخطبون نفس الخطابات الرخيصة (وكل ديك على مزبلته بصيح) التي لا تثير شيئا غير الضحك والاشمئزاز سوية. يدّعون البطولة وخدمة الوطن والتسامح والرغبة في التغيير التي تلبي مطالب الشعب الذي بدوره يؤمن (انه إلي بجرب المجرب بكون عقله مخرب).

السلاح بإيد ال….. بجرح

ردود الأفعال الأولى بعد الصعقة استهلتها أعقاب البنادق الأوتوماتيكية التي تحملها قوات مكافحة الشغب (التحرر) وعصيهم السميكة التي ترشح منها الدماء قبل حتى أن تمس رؤوس ورقاب المتظاهرين. تتطور الصورة سريعا إلى فئة جديدة من أيادي القمع فيشرّف البلطجية بالهراوات والسلاسل الحديدية وبعض الأسلحة الخفيفة (وكأن الأسلحة التي تردي جسدا حارا قويا تختلف في ثقلها عن تلك التي تدمر الحجارة الرثة والإسمنت المستورد). يعمل الأفندية مباشرة تحت إمرة الشرطة (إلي في خدمة الشعب إياها) يثيرون زوبعة في الشارع وموجات من اختطاف المتظاهرين ويتمسحون بأكمام وجوارب رجال الأعمال الذين يوردون لهم الأموال في سبيل الدفاع عن أموالهم التي نهبوها قانونيا من الشعب.

خيل وخيّال وبارود

تأتي الأباعر والخيول الهجينة التي أهانها راكبوها (كانت شجرة عائلة الخيول تعرف عن سابع جد من مجرد النظر إلى سيقانها وكانت الخيول تدعى بأسماء سلالاتها التي تتميز عن بعضها البعض بالرشاقة والسرعة والذكاء كالحلبي والصقلي والحمداني) فتطحن كل من يقف أمام هياجها حتى تقع بالطريقة البائسة التي لا تليق بالجمال والخيول. يلف ممتطوها العمامات على رؤوسهم الفارغة ربما خوفا من هروب ما تبقى من أدمغتهم خجلا من تلك الأفعال حتى يكتمل مشهد الخيّال العربي المعاصر الذي يرتدي الجينز ويمسك بالنبوت ويسابق الريح بفرسه “الحرة” المنساقة فوق الأرض المسفلتة. والفرس من خيّالها (مع تعمد تجاهل الشطر الثاني من المثل).

إلي بدو يعمل جمّال بدو يعلي باب دارو

حتى بعد مرور أكثر من شهر على تجلي الاستشراق في وقعة الجمل إياها في ميدان التحرير لا زلت غاضبة شديد الغضب على تلك الفعلة الشنيعة. ليس هناك مفر من تذكر وقعة الجمل الأولى التي قادتها السيدة عائشة والتي علّت باب دارها (خيمتها) كثيرا كما علّت سقف مطالبها لكن هناك من يصر دائما على تثبيط العزائم وتهبيط الأسقف فجاء السيد أبو بكرة أحد الصحابة المنتفعين جدا من إسلامه ليتذكر بعد أكثر من عشرين سنة بأن الرسول الكريم قد قال يوما “لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”. لن نخوض في حيثيات الحديث ولا سياقه إلا أن هناك عديد النسخ من الأبي بكرة هذا على شكل ممثلين وإعلاميين ورجال حكومة ساقوا ما لا نهاية له من الاتهامات بحق الثائرات في ميادين وشوارع التحرير كافة (مش فاهمة مالها نوارة نجم ولا سهير الأتاسي؟ ولا خذوهم بالصوت ليغلبوكم؟).

ملاحظة: إن أبغض الأصوات لصوت الحمير. علينا أن نعيد النظر

حتى أنا فهمت
حتى أنا فهمت

البيت ضيق والحمار رفّاص (رفّاس)

عندما تضيق البيوت ويُحشر ساكنوها داخلها تبدأ محاولات التوسع فتنجح حينا وتبوء بالفشل حينا آخر لكن حميرا كثيرة عندما تضيق بها البيوت (أو العروش) ترفس حيطانها كي تهشمها لكن (على مين) فمن لا يعي حجم قدرته وينتفض عبثا ويرفس بقائمتيه الخلفيتين لا بد أن ينزلق حين يواجهه أول معترك حقيقي. هذا حال الحكام العرب الأكارم فكثرة الرفس أودت وستودي بهم لما يحب الجميع تسميتها (ليس المتفلسفون فقط) بمزبلة التاريخ. ما بالكم حين يضيق صدر الأمة المليء بالإيمان وشرارات الحرية والحقد كذلك.

قاعد بحضنا وبنتف بذقنّا

أغرب ما عاشه المواطن العربي، الثائر خصوصا هو وقاحة الأنظمة (صلافتها بالتحديد) فيهدد القذافي بالتلويح بالاستقالة إن كان صاحب منصب ويخرج مبارك معتكر الطلة يعرف نفسه برئيس الجمهورية وعدم التنازل عن خدمة أبناء الوطن ويرسل بشار الأسد (لا تعليق) دباباته منذ اليوم الأول لسحق الثوار. يعتذرون بعد فترة وجيزة ليرسلوا قواتهم الخاصة لاعتقال المتظاهرين وضربهم وتهديم خيام اعتصامهم (وإلي بستره ربه بفضحوش مخلوق)، ما الذي يمكن فعله والفضيحة تتناقل بينكم كما يتناقل السامرون كاس المتة.

هجين ووقع بسلة تين

القذافي بنظاراته الشمسية المتنوعة، ابتسامة مبارك عندما يصافح أحد زعماء العالم (المعفن)، علي عبد الله الصالح بانتفاخه وراء مكبرات الصوت فرحا ببدلته الجديدة، بشار الأسد بزوجته التي تتحدث الإنجليزية بطلاقة، عبد الله بن الحسين بلكنته هو الأجنبية، ولي العهد البحريني حين يحلم ليلا بقتل أبيه ليسبح في نفط الشعب نهائيا، بن علي بنهبه أموال الشعب (طالع نازل) وما زال في جعبة الشعوب العربية الكثير (يعني الحبل عالجرّار وإحنا حبالنا طويلة).

ربيت كلبي.. عقر جنبي.. تحرم علي ترباية الكلاب

لا تعليق

إلي بشفش من خزق الغربال أعمى

تخرج السيدة بثينة شعبان كما خرج أبواق الحكام قبلها فتحاول طمأنة الشعب حينا وتهديده حينا آخر فتكرر ما قاله سابقوها بنفس الجفاصة وقلة الحياء والضحك على اللحى. ثم تؤكد قصة المندسين الذين يهددون أمن البلد من الداخل كما يستهدفها الغرب وإسرائيل من الخارج (أي يلا عاد) كلنا نعلم أن سوريا لم تطلق رصاصة على إسرائيل منذ العام 1974 وأن الجولان السوري المحتل ما زال محتلا. أطمئن جميع المسؤولين من عينة السيدة مستشارة الرئيس أن الحكمة الانهزامية (إلي بتقول مية كلمة جبان ولا كلمة الله يرحمه بطلنا نشتريها).

أجاك يا بلوط مين يعرفك

العربشة… من أهم اختصاصات الزعامات العربية إضافة إلى كثرة التنظير وإلقاء اللوم على كل شيء باستثناء أنفسم حين يخفقون (وإلي بعرفش يرقص بقول الأرض عوجا). لكن للصبر حدودا تماما مثل الحدود التي يحاول ترسيمها بشق الأنفس الأخ الرئيس أبو مازن والذي يمتهن ركوب الأمواج كما يبدو ويدعي ومن معه إطلاقهم لمبادرة وحدة وطنية ويدعي الأخ هنية ومن معه أن فتح ذراع للجيش الإسرائيلي. طيب… بما أن الفلسطينيين بعرفون البلوط والجوز والفستق متعدد الأنواع أيضا باسمهم

أقول لحركتي فتح وحماس قادة لا كوادر…. قرفتونا

وأقول لليسار الفلسطيني قادرة وكوادر… صباح الخير وخليها بالقلب تجرح ولا تطلع برا وتفضح

ولكل الزعماء العرب غير الزائلين بعد أقول… العلم بحر بس التياسة محيط

أما للشعوب العربية السائرة نحو التحرير أقول… انتهى عهد (إلي بتجوز إمي بقوله يا عمي) (والمنحوس منحوس لو حطو عراسو فانوس) (وامشي الحيط الحيط وقول يا ربي السترة) (والهريبة ثلثين المراجل) (وإلي ما بيجي معك تعال معو).

وأهلا بعهد “لبس العود بجود”

تنويه: أعتذر للحمار

حرية التعبير والتكفير في مصر… قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد كنموذج للدراسة

فبراير 20, 2011

مقدمة

لا يمكننا دراسة حرية التعبير في مصر كحق أساسي للإنسان ومحاولات منعه دون الوقوف طويلا أمام مطالب ثورة 25 يناير وإنجازاتها والتغييرات التي أحدثتها في الوعي الجماعي المصري قبل إنجازاتها المادية الملموسة، إلا أننا  في هذه الدراسة نستعرض الحق في حرية التعبير وقمعه على يد السلطات السياسية المصرية والمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر فضلا عن المنظمات الإسلامية المتشددة ما قبل الثورة وتأثيره على المجتمع المصري ونأخذ قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد كنموذج للدراسة.

 

فرج فودة

فرج فودة

محمد الغزالي

محمد الغزالي

إن موضوع حرية التعبير هو موضوع مثير للجدل والخلاف بين المثقفين والمتدينين أو الأصوليين في العالم العربي وفي مصر على وجه الخصوص. لقد ظهر هذا الخلاف بأشكال عديدة فكان أحد أشكالها عنيفا ولم يكتف بالتهديد والوعيد بل وصل إلى حد الاغتيال وتنفيذ القصاص. إن حادثة اجتثاث حياة المفكر فرج فودة المؤسفة كانت الأكثر حدة ووضوحا في هذا الصدد فقد كان ادعاؤه بأن الدولة الدينية ليس بمقدروها خلق نظام يستطيع التوافق مع ظروف نهايات القرن العشرين في مناظرة تمت بينه وبين شيخ الأزهر محمد الغزالي في معرض الكتاب في جامعة القاهرة عام 1992 كان كفيلا بقتله.

مقابل حرية التعبير يحتل التكفير مكانة مهمة في الوعي الديني عندما يكون موضوع الجدل حساسا مثل تفسير القرآن ومكانة المرأة في الإسلام ومكانة غير المسلمين في الدولة الإسلامية. إن السلطات المصرية كانت جزءا فاعلا في الحد من حرية التعبير والتضييق من مساحته لدى مثقفين وصحفيين وفنانين مختلفين سواء بالتخويف والإبعاد أو بتطويع القانون المصري لمقاضاتهم.

السؤال الذي تحاول هذه الدراسة الإجابة عليه هو كيف استُقبلت قضية ضد الدكتور نصر حامد أبو زيد ومن ضمنها قرار محكمة الطعن في القاهرة بتاريخ 5.8.1996 ضده وضد زوجته الدكتورة ابتهال يونس والذي ألزمهما بالتفريق كرها في الساحة السياسية المصرية وما هي الخلفية الدينية والسياسية للمجتمع المصري التي أثرت على القضية؟

حرية التعبير التي تتحول إلى اتهامات بالارتداد عن الدين

التكفير لغويا وفقهيا

إن الاصطلاح الشائع في اللغة العربية للإعلان عن ارتداد شخص ما عن الدين الإسلامي هو تكفيره، وقد استخدم هذا الاصطلاح في النصف الأول من القرن الأول للهجرة حين اتهم الخوارج فئات مسلمة بالارتداد عن الإسلام بعد وقعة صفين عام 39 للهجرة. يقول الإمام الغزالي إن الكفر مرادف للردة لذا فإن عقوبة هذه المخالفة القتل.

لقد استخدم رجال الدين ورجال السلطة ومن يدعون غيرتهم على الإسلام اتهام أناس بالردة ونفيهم من المجتمع والأمة الإسلاميين بدوافع تبدو فقهية للوهلة الأولى وبدوافع سياسية أو حتى بدافع المصلحة الشخصية.

في أيامنا هذه يقبع دافع الأشخاص الذين يأخذون على عاتقهم محاكمة من يكفرونهم في أروقة القضاء أو محاكمتهم في الشارع في مبدأ الحسبة. إن هذا المبدأ الديني يتطرق إلى واجب المسلم أن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر في بيئته ومجتمعه، فيستطيع كل إنسان محاكمة شخص ما قد استخدم حرية التعبير بما يضر بالإسلام من وجهة نظره دون تضرر المدعي شخصيا من أقوال وأفعال المدعى عليه. يدعم القانون المصري وخاصة قانون الأحوال الشخصية الأخذ بمبدأ الحسبة في القضاء فتقول المادة 6 من قانون الأحوال الشخصية ” مع عدم الإخلال باختصاص النيابة العامة برفع الدعوي في مسائل الأحوال الشخصية علي وجه الحسبة المنصوص عليه في القانون رقم 3 لسنة 1996 للنيابة العامة رفع الدعوي ابتداء في مسائل الأحوال الشخصية إذا تعلق الأمر بالنظام العام أو الآداب كما يجوز لها أن تتدخل في دعاوي الأحوال الشخصية التي تختص بها المحاكم الجزئية وعلي النيابة العامة ان تتدخل في دعاوي الأحوال الشخصية والوقف التي تختص بها المحاكم الابتدائية أو محاكم الاستئناف وإلا كان الحكم باطلا “

نتيجة لاعتماد مبدأ الحسبة بدأ التكفير يأخذ طابعا أكثر تنظيما لدى جماعات دينية متطرفة مثل جماعة التكفير والهجرة وحتى لدى أفراد غير منتمين لجماعات بعينها والذين يكرسون جهودهم لخدمة هذا المبدأ مثل المحامي نبيل الوحش الذي يقاضي مغنين وكتاب ولاعبي كرة قدم كي يحافظ على أخلاقيات الشارع المصري وكي يمنع الفاحشة.

من جهة أخرى نجد رجال الدين والذين يجرون جمهور المتدينين وراءهم يتجاهلون آية قرآنية شديدة الوضوح فيقول الله تعالى في سورة البقرة (الآية 256) } لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ{ أما المفسر الشهير ابن جرير الطبري فيقول في تفسيره لهذه الآية “قال نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني كان له ابنان نصرانيان وكان هو رجلا مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله فيه ذلك رواه ابن جرير وروى السدي نحو ذلك وزاد وكانا قد تنصرا على أيدي تجار قدموا من الشام يحملون زبيبا فلما عزما على الذهاب معهم أراد أن يستكرههما وطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث في آثارهما فنزلت هذه الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عمرو بن عون أخبرنا شريك عن أبي هلال عن أسق قال كنت في دينهم مملوكا نصرانيا لعمر بن الخطاب فكان يعرض على الإسلام فآبى فيقول (لا إكراه في الدين).

إن وجود آيات شديدة التسامح في القرآن كهذه الآية لا ينفي حقيقة أن آيات أخرى فيه قد حصلت على أهمية أكبر بفضل الفقهاء والسياسيين على حد سواء. إحدى هذه الآيات هي الآية 221 من سورة البقرة {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون}. لقد استخدمت هذه الآية بعينها في قضية التفريق التي رفعت ضد الدكتور نصر أبي زيد وزوجته لتدعيم الادعاء بضرورة الفصل بينهما بزعم ارتداد الدكتور أبي زيد عن الإسلام.

حرية التعبير والسلطات المصرية- الدستور والتأثيرات الخارجية

تماما مثل صياغات دساتير أخرى في الدول العربية يضمن الدستور المصري حرية التعبير في المادة 47 ” حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني” أما المادة 49 فتقول “تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث العلمي والإبداع الأدبي الفني والثقافي، وتوفر الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. على الرغم من حفظ الدولة نظريا للحريات بصياغتها في الدستور إلا أن الدستور يقيد هذه الحريات ويشير إلى أنها غير مطلقة وأنها منوطة بالتقييدات التي ينص عليها القانون. لقد وجدت هذه التقييدات للحفاظ على حرية الآخرين ولتحفظ الأمن العام والأخلاقيات العامة من أي منشورات (سمعية أو بصرية) قد تسيء للدين. بناء على هذا المبدأ فإن حرية التعبير هي حق أساسي إلا أنه ليس مطلقا.

تتفق السلطات على هذا المبدأ مع الأصوليين والفقهاء الذين يضعون الحقوق الجماعية فوق حقوق الفرد والطريقة التي يعتمدونها هي الرقابة على ما يظنونه مسيئا وآمرا بالمنكر.

كانت السلطات المصرية بحاجة للأزهر كمؤسسة دينية لتحقيق غاياتها المتعارضة تمام مع الدستور وهي تحديد حرية التعبير وحجبها عمن يهدد سلطتها. يعد الأزهر مؤسسة دينية صاحبة شرعية وتأثير على الشارع المصري لذا فقد كانت للأزهر وظيفة مهمة للتغطية على النظام ودعمه في حربه ضد الإسلاميين أو دعمه على المستوى السياسي مثل اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل عام 1978 أو الموقف المتخاذل ضد العراق في الحرب الأمريكية عليه عام 1991. إن هذه الحاجة ما تزال قائمة لدى النظام والثورة المصرية التي انطلقت في 25 من كانون الثاني 2011 كانت خير دليل على العلاقة الوثيقة بين النظام والأزهر الذي لم يصدر ولو تصريحا واحدا لدعم الثورة والثائرين. إن مواقف الأزهر وصلاحياته التي ضمنها له النظام جعلته مؤسسة مكروهة لدى العلمانيين والأصوليين على حد سواء.

إن حقيقة تحميل السلطات المصرية المسؤولية للأزهر في تقديم طرح إسلامي معتدل ساعدت الأخير في طرح تصوراته المحافظة في ماهيتها.

لقد ساهم الأزهر بشكل كبير في الإعلان عن فتاوى ضد قانون الأحوال الشخصية المصري وقضية زرع الأعضاء وتوظيف النساء في الوظائف العامة. لقد اعترفت مذكرة رسمية في العام 1994 بصلاحيات الأزهر الحصرية في الحفاظ على الأخلاقيات العامة في الدولة صاحبة الديانة الإسلامية بأغلبيتها. لقد ذكرت المذكرة أن على وزارة التربية والتعليم الالتزام  بقرارات الأزهر بما يتعلق بالرقابة على كتب التعليم والمناهج فضلا عن صلاحية الأزهر في الرقابة على السينما والمسرح والإذاعة والتلفزيون. إن الاعتراف بالأزهر كحافظ لأخلاقيات الأمة مهدت الطريق أمام رجاله للتدخل في جوانب كثير من الحياة الثقافية في مصر وتحديدا حجب شرعية مثقفين علمانيين متحررين يسيئون للأمة وللدين حسب اعتقادهم. نستنتج مما ذكر آنفا أن هناك علاقة وثيقة بين السلطات المصرية والأزهر الذي تمتع بصلاحيات تتعدى صلاحيات مؤسسة دينية عادية ليس لها صبغة قضائية على سبيل المثال.

قضية الدكتور نصر حامد أبو زيد بين المؤيدين والمعارضين

ولد الدكتور أبو زيد في إحدى قرى محافظة طنطا عام 1943 لعائلة بسيطة، وانضم في شبابه لحركة الإخوان المسلمين التي كان تقديره لمؤسسها سيد قطب شديدا. لقد اعتقل أبو زيد لفترة قصيرة حين كان يبلغ الحادية عشرة عام 1954.

تخرج أبو زيد للقب الأول في اللغة العربية في جامعة القاهرة عام 1972 واللقب الثاني في الدراسات الإسلامية في جامعة القاهرة عام 1976. في العام 1979 حصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية بنفس الجامعة.

لقد عرف أبو زيد بمؤلفاته التي تختص في الدين الإسلامي وتفسير القرآن تحديدا لكن دعوى التفريق التي رفعت ضده في محكمة النقض عام 1996 كانت نقطة مهمة في معرفته والاهتمام بمؤلفاته أو سبه دون سابق معرفة وذلك بمساعدة الصحافة والإعلام. لقد حول الداعمون لأبي زيد قضيته إلى قضية قومية والذين نقلوا القضية للصحافة الأكاديمية والسياسية.

 

نصر أبو زيد

نصر أبو زيد

عبد الصبور شاهين

عبد الصبور شاهين

لقد اتهم نصر أبو زيد بالردة عن الإسلام في المحكمة لكن الحكاية كانت قد بدأت بين جدران جامعة القاهرة التي تعلم وعلم فيها سنين طوال. في صيف عام 1993 اتهم الدكتور عبد الصبور شاهين علانية الدكتور أبو زيد بالردة عن الإسلام نتيجة تأليفه كتابه “مفهوم النص” مما أبعده عن الحصول على لقب بروفيسور.

لقد رفعت مجموعة إسلامية قضية ضد أبي زيد وكان زعيمها رجل يدعى محمد صميدة عبد الصمد، مدعية أن عليه تطليق زوجته عملا بالآية 221 في سورة البقرة. لقد توقع أبو زيد رد فعل حاد من قبل رجال الدين المسلمين عندما كتب في التمهيد لكتابه (مفهوم النص) ” والاعتراض الذي يمكن أيثار هنا: كيف يمكن تطبيق منهج تحليل النصوص على نص إلهي؟! وقد يضمن الاعتراض بعض الاتهام (والعياذ بالله من سوء النية) حول تطبيق مفاهيم البشر ومناهجهم على نص غي بشري من حيث أصله ومصدره.

لقد توفي أبو زيد في 5.7.2010 نتيجة فيروس لم يتم تشخيصه من قبل الأطباء. وفاة أبي زيد كانت خسارة كبيرة لمثقفين مصريين وعرب كثيرين وقالوا إنها خسارة كبيرة لمصر وللثقافة المصرية بينما عبر أصوليون عن رضاهم بوفاته وسعادتهم بهذا الحادث الأليم.

رد فعل مؤسسة الأزهر حول قضية أبي زيد

مفهوم النص
كتاب مفهمو النص لنصر حامد أبو زيد.

لقد قامت مجموعة من أساتذة جامعة الأزهر بالإعلان عن موافقتهم للفظ أبي زيد من الأمة الإسلامية كدعم لجماعة إسلامية متشددة تدعى الجهاد الإسلامي. نتيجة لهذه الحملة اضطر أبو زيد لمغادرة مصر إلى منفى اختياري في ليدن وقد عمل كمحاضر ضيف في جامعتها. نستطيع في هذا الصدد ملاحظة تأثير المؤسسة الدينية في تشويه مسيرة أكاديميين وتشويه سمعتهم.

لقد كان احتجاج فقاء الأزهر ضد أبي زيد مبنيا على تصريحاته التي يعتقدون بأنها تقلل من قيمة القرآن والتي تساوي ما بين القرآن وبين أي نص أدبي آخر حسب اعتقادهم. لقد ادعى أبو زيد أن الثقافة العربية قد ولدت من الجدل أي الصدام مع الواقع والحوار أي نقاش النص وبما أن الثقافة العربية نصية في ماهيتها فهذا يحولها لثقافة تفسير وتأويل. لقد ادعى أيضا أن القرآن مثل أي نص آخر يحتاج إلى مساحة تفسيرية من المثقفين والمفسرين في نفس الحقبة.

المجتمع المصري وتقييد الحريات المختلفة

إن الصدام بين المباديء التنويرية وتلك التقليدية كان مميزا للديمقراطيات الناشئة في العالم لكن المجتمعات التي حصلت على كيان تنويري وديمقراطي نسيت أن التوجه التنويري هو وليد نزوع واع مضاد للتقليدية بينما تميل المجتمعات التي لم تحصل على كيان سياسي كهذا لتجاهل أن النتيجة المنطقية للدولة التنويرية هي العلمنة.

في المجتمعات العربية الإسلامية التي تتوافق فيها التقاليد إلى حد كبير مع الدين تكون قوانين الدولة فيها ودستورها حافظا للحريات على الورق بينما على أرض الواقع تقمع هذه الحريات بشكل ممنهج من قبل السلطات التي من الصعب إسقاطها. إن المحافظة فالتشدد فالتطرف ليست النتائج الطبيعية للفشل المؤقت في الحصول على الحرية كما رأينا في ثورة 25 يناير حيث لم يعد الحل الإسلامي البديل الوحيد لقمع السلطات الموالية للغرب لشعوبها فنرى الآن نداءات جادة للعلمنة وللدولة الديمقراطية المدنية غير الدينية وغير العسكرية إلى جانب الدعوات للدولة الدينية.

تضمن السلطات في مصر نظريا حريات أساسية للمواطن مثل حرية الإبداع العلمي وحرية الاعتقاد وحرية التعبير لكن حين يتم الحديث عن حرية التنظم السياسي والحزبي يجد الفرد نفسه أمام تقييد رسمي وفعلي للحريات.

إن تحديث الدستور والقوانين المدنية قد بدأ في القرن التاسع عشر حيث اتضح الفرق بين القوانين وليدة أوروبا والقوانين المستمدة من الشرائع الدينية سواء الإسلامية أو غيرها على المستويين الجنائي وقوانين الأحوال الشخصية. نتيجة لتبني القوانين المستمدة من الشريعة الإسلامية وتأويلها بما يتناسب وتطلعات الدولة فقد حفظت بعض حقوق المواطن بينما أصبح بعضها الآخر ممنوعا عليه مثل الحق في الاعتقاد الديني وعدم المساواة بين الجنسين.

لقد عملت منظمات حقوقية مصرية على عدة مستويات امتدادا لتطلعات الشعب المصري عموما بالحرية مثل القضية النسوية وحقوق المرأة. إن قانون الأحوال الشخصية المصري لا يخلو من مشاكل وتعقيدات فقد كانت الحاجة ماسة إلى تعديله فكانت المحاولة عام 1979 على يد جيهان السادات إحدى المحاولات المهمة لتحسين وضع المرأة المصرية إلا أن ردود الأفعال حول التغييرات التي طرحها تعديل جيهان السادات قد أدت إلى إبطالها عام 1985. كانت حركات نسوية مصرية قد عملت في مجال الحقوق إلا أن عدم تمثيلها في مجلس الشعب والشورى المصريين فضلا عن حقيقة أن القوانين تسن أو تنفذ دون سنها في أقبية النظام وبناء على إرادته قد حالت دون سن قوانين جديدة وأكثر جدية في مجال المساواة بين الرجل والمرأة.

لقد بدأ المجتمع المصري في التحول للمطالبة بالتحرر والليبرالية والمطالبة بدولة ديمقراطية منذ بداية القرن العشرين إلا أن انتشار أفكار الإسلاميين وتأثيرهم قد كان سببا في عرقلة هذا التوجه فقد أصبح قمع الحريات وظيفة النظام والأصوليين على حد سواء. كان إلغاء المحاكم الشرعية والطائفية المختصة بالأحوال الشخصية وضمها للمحاكم العامة بتاريخ 21.9.1955 بعد ثورة الضباط الأحرار محاولة لعلمنة الدولة إلا أنه يعني أيضا أن الأقليات الدينية كالأقباط في مصر عليها الالتزام بقرارات المحاكم العامة بغض النظر عن خاصية تلك الأقلية.

لقد قتل المفكر فرج فودة عام 1992 على يد شاب منتم لجماعة متطرفة ولم يكن فودة المفكر الأول الذي يقتل نتيجة لفكره فهناك العديد من قضايا هدر الدم والتهديد كقضية المفكر الإسلامي سيد القمني الذي تراجع عن أقواله خوفا على حياته. لم يتوقف قمع الحريات في مصر حتى الرمق الأخير للنظام المصري وعلى رأسه الرئيس المخلوع حسني مبارك فقد كانت ردود أفعال الدولة على ثورة الشباب ومظاهرات السلمية تجوب في فضاء الضرب والعنف وتفريق الصفوف وتكسير العظام والقتل.

تلخيص

إن قمع الحريات وخاصة حرية التعبير كان سياسة ممنهجة اتخذتها السلطات المصرية لفترة لا تقل عن الخمسة عقود وذلك حفظا لسطوة السلطات الحاكمة ومنعا لأي قلاقل من الممكن أن تحدثها مظاهرة أو فيلم سينمائي أو كتاب أو حتى أغنية فلم يكن غريبا على الأنظمة المصرية الثلاث على اختلافها اعتقال شاعر أو أديب أو فنان أو تلفيق القضايا لبسطاء المواطنين لمجرد التنظم في جمعية حقوقية أو رفع قضية على أحد رجال الأعمال.

إن تقييد الحريات في مصر ازداد تعقيدا حين انضم للقوة التي تضمن عدم انفلاته الإسلاميون المتمثلون في المؤسسات الرسمية والمنتظمين في جماعات متشددة على حد سواء. إن الخطورة في تقييد الحريات اشتدت حين قرر بعض الأشخاص والجماعات الذين نصبوا أنفسهم قضاة وتنفيذ عقوباتهم ضد مفكرين وفنانين ومواطنين عاديين وفي الشارع بوضح النهار.

لقد غيرت ثورة 25 يناير نظرة المصري للحرية ولحقوقه عامة ولكيفية الحصول عليها فلم تشهد مصر على امتداد تاريخها الطويل تكافلا اجتماعيا في ثورة شعبية شديدة التنظيم والوضوح في المطالب.

 

—————————————————–

مراجع

ابن منظور. لسان العرب، بيروت : دار صادر، 1955-1956.

الطبري، محمد بن جرير الطبري. جامع البيان عن تاويل القرآن، مصر: م. البابي الحلبي واولاده, 1373هج. 1954م.

السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن ابي بكر وجلال الدين محمد بن احمد المحلي. تفسير الجلالين، القاهرة: مكتبة الصفا، 1425هج. 2004م.

أبو زيد، نصر حامد. مفهوم النص دراسة في علوم القرآن، المغرب: المركز الثقافي العربي، 2008.

دستور جمهورية مصر العربية.

. Kermani, Navid. “From Revelation to Interpretation: Nasr Hamid Abu Zayd and the Literary Study of the Qura’n”. in Modern Muslim Intellectuals and the Qur’an. Ed. Suha Taji Farouki, London: Oxford University Press, 2004

Sfeir, George. “Basic Ereedoms in a Fractured Legal Culture: Egypt and the Case of Nasr Hamid Abu Zayd,” MEJ, XXXXXII (Washington), 1998. Pp. 402-415

 

———————————

لمعلومات أوفى حول نظرة أبي زيد لنص القرآن يمكن الاستماع إلى محاضرته بعنوان إعادة تعريف القرآن

 

مصر الحقيقة.. ظاهرها وباطنها

فبراير 5, 2011

مصر الحقيقة في الظاهر هي ثورة سياسية اجتماعية صادمة في شدة وعي محركيها وفي الباطن هي كذلك ثورة ذات دماء شابة واعية متزنة تلزم إرادتها وصالح وطنها مكانهما الطبيعي أي فوق الجميع. سمعنا قذارات مركبة بعناية من كلمات مبطنة متسمة بالبراءة والحماسة في ظاهرها ولكن من أقدر من أصحاب الخلوات والعمائم على التلاعب بالظاهر والباطن، هل يمكن في هذه الظروف أن تشير ثورتا تونس ومصر إلى الصحوة الإسلامية حين شعرت الجماهير بالقرف من محاولات الفصل وفض الصفوف بادعاءات تدنيس الطهارة الجسمانية أو الروحية. لم لا يستطيع المصرّحون فهم حقيقة انتهاء فض الصفوف ألا يرون اللحمة تتجلى في وجه طفلة لم تبلغ الثانية عشرة على كتفي أبيها صارخة بإسقاط من لم تعد تعترف وهي الطفلة برئاسته ولا بأعوامه الثمانين التي يلوث نصفها الدم، أولم يروا الشابات والشباب يحولون سوية ميدان التحرير إلى بيت لهم جميعا ويقسمون الخبز والمهام بينهم بالتساوي.

من يصر على إيقاف الفتنة بالتذكير يوميا بوجودها أو اختراع وجودها، من يجعل من الفتنة الطائفية شماعة لهموم الأمة. لطالما امتنع المصري الحق عن الانحشار في نفس جاره محاولا معرفة قبلة صلاته اللهم إلا كي يبارك له عيده أو اهتماما منه بطقس مشترك ما. رأينا بأعيننا رغم التعتيم والتعتيم مصر بمسلميها ومسيحييها تحارب سلميا رغم التضاد الواضح في هذا التعبير نظاما شفط خيرات بلدهم التي لم أشهد انتماء شبيها لأبنائها إليها في أي بقعة من هذا الكوكب أنا بفلسطينيتي. لطالما عبر أصيلو مصر عن  أبناء جلدتهم فقد قال أحمد فؤاد نجم قبل أكثر من عقدين بصوت خليله الشيخ إمام

“الجدع جدع

والجبان جبان

بينا يا جدع

ننزل الميدان”

وهل أوسع من ميدان التحرير صدرا للجدع وأضيق من صدره في وجه الجبان؟ قام المصريون ليس أولئك الذين عادوا جزائرنا جميعا ليس أولئك الفنانين الذين ليس لهم استخدام سوى تلميع أحذية النظام الذين أشعلوا قلوب الجماهير بدلا من تليين الغضب على شعب شقيق. قام المصريون العلمانيون والمتدينون والملحدون والمجلببات وذوات الشعور المنسدلة الحرة وأصحاب اللحى وذوي البناطيل التي تكاد لا تغطي ملابسهم الداخلية. قام الأطفال سمر الخدود مجعدو الشعر قامت الفتيات غير العابئات بالرطوبة التي ستفسد بشرتهن قامت البلد بشعبها شديد التنوع والرقي شديد الحرارة والاندفاع الذي لا يخلو من الاتزان.

لقد صعق المصريون العالم. يستمر أحمد فؤاد نجم فيقول

“يسبق الليالي

و يجيب الصباح

و يهزم الهزيمة

و يداوي الجراح

عاوزين اللي راح

قدامكو الميدان

و الجدع جدع

و الجبان جبان”

قام المصريون. أقاموا لجانا شعبية لحماية بيوت غيرهم كما بيوتهم بنوا مستشفيات ميدانية ضمدوا جراح أولئك الذين لم تمنعهم جراحهم من النزول ثانية والتمترس في ميدان التحرير الذي يثبت الثائرون يوما بعد يوم استحقاقه للقبه. غنى المصريون في الميدان صرخوا غضبا وإصرارا، أروا للعالم شكل الإرادة بأغنية ولافتة كرتونية مكتوب عليها بشتى الأقلام والألوان موقفا لا تتجرأ مكاتب السياسيين بمراوغتها على مجرد التفكير فيه.

لم نر في الميدان إلا الجدعة والجدع وكل من عداهم فكان غير مرئي أو ربما منعته حساسيته للحقيقة من النزول. أسكت المصريون كل من حاول أن يعتلي إنجازات ثورتهم وأن يحمّلها دافعا طائفيا سخيفا أو محاولة لسد الرمق واستبداد الجوع. أنهى المصريون السلبية التي ما زالت الأمة العربية تسبح فيها فكيف يمكن لشعب إنجاب طفل يقود مظاهرة مليونية أن تقتله السلبية ويبيده الخمول.

لم تعد الأفكار المسبقة تخدم السلطات العربية العفنة فنحن لسنا جبناء ولما نزل ننتفض ونزيح بقايا الرجعية والتواطؤ مع من يبني مستقبله على أنقاض كرامتنا، لم تعد السلبية مميزة لمجتمعاتنا لم يعد يستطيع العربي تجاهل الواقع والاختفاء في همومه المعيشية لم يعد بمقدوره غض بصره عن الحقيقة التي وإن حاول إشاحة وجهه عنها تشد أذنه أو تتسلل إلى أنفه كرائحة خبز نضج للتو.


Windows on Iran

Explorations of Persian culture and politics.

مقاطعة إسرائيل لتحقيق العدالة

مرجع شامل باللغة العربيّة عن حركة المقاطعة العالمية لإسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها

ع الرصيف

Get Up, Stand Up

Razaniyyat

Personal observations of myself, others and states.

خربشات بيروتية

لم يعد هناك مكان آمن سوى سنتيمترات مربعة في الجمجمة - جورج أورويل

Mostafa Sheshtawy

About Life, Photography And Social Media

Cairo Says Hello

Shooting Cairo.

Sleepless in Gaza

Venting Can Be Therapeutic

Olva Tito's Blog

EL OLVANISM .......... Just a Different Way Of Thinking

RanaBaker's Blog

A blog from Palestine

Cinnamon Zone

A Small Scratch Book on the Big Big Web

مصر هبة النيل

مصر يامه يا بهية يام طرحة وجلابية الزمان شاب وانتي شابه هو رايح وانتي جاية

بهدوء

تأملات هادئة قدر الإمكان فى عالم مستفز

BiKaffe

اكتب ب كفّي ما يكفي لنقول بكفّي !

نور زاهي

في زمن الرصاص والقذائف والمدافع، القلم مدفعي والكلمات ذخيرتي والورقة ساحة معركتي...

2reer

أن يدركنا الأجل قبل هوان الرجال

دونكيشوتات

( قبل أي شيء آخر... لأنّني إنسان)

ن

أَعبَثُ هُنَاْ حَتَّى أَعُودَ مَدَاْئِنِي عَلَى ظُهُورِ الحِيتَاْنِ الحَدْبَاءِ الطَائِرَةِ , طَوَّاْفِيْ وَادِي عَبْقَر, مَدَائِنٌ مِن طِينٍ وَ نُحَاسٍ و أَرْو

Wlahy Ma3rf...Blog mlhash esm

يوم يمر بدون ان تكتب سطر او تقرا سطر يساوي خساره كبيره...اطلق خواطرك قبل ان تدفعك للجنون

Hadeel's

Trying to Make a Difference

Random Shelling قصف عشوائي

"We are sorry for the inconvenience, but this is a revolution"

Ancient Writings, Ancient Soul

Arab Agenda

I write what I want

[] الكرمل

مجرد ويسكي في دمي وأغنية في أذني

Israa's Mosaic

هُوَ الحُبّ

Shima

There's always a way to run out

حيفا الحرة

المنظر من شارع الجبل

untitled48

أنا أبحث اذن اقرأ والكثير من أجل التنقيب، لذلك أكتب بين الفينتين في اللامكان بين النقطتين// كايد توفيق أبو الطيف في لجة الثقافة بين الخشبة و النص!

The Book Of Illusions

خواطر من هنا وهناك

A Voice from Palestine صوت من فلسطين

Until Return & Freedom حتى العودة والحرية

فَوَضَى . .|مَشَآأإعَرْ |. .

بيقولوإ عني إني ناْشط سياسيْ وناْسَ بتقول عني إني مدون بس كل إللي إنا اعرفه إني " مجرد إنسان " بيعبر عن إللي جوإه عن طريق إلورقة وإلقلم .

Best of The Worst AR

Just another freak blog

شخص ما يكتب

يكتب اليوم عن الأمس والغد ..

HanadiTalk

هنادي قواسمي - القدس

لستُ مِنْكُم فيْ شَئْ

هَذيانُ نَبِيٌ ضَالٌ

أبو البلد

"على هذه الأرض ما يستحقُ الحياة" محمود درويش

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 82 other followers