ولدت عام 1985، لم تكن الانتفاضة الأولى قد حلت بعد لكن بوادرها كانت تسترسل في قلم ناجي العلي خاطا كاريكاتير الخازوق الذي وعدتنا به إسرائيل. لم تكن الانتفاضة الأولى قد حلت بعد لكنها كانت تنسل بهدوء وغضب متمازجين في عروق كل فلسطيني حمل رقما أم لم يحمله. لم تكن الانتفاضة الأولى قد حلت بعد لكن مجزرة حمام الشط في هذا العام تشهد استبسال المقاوم الفلسطيني وتشهد لنا أننا كنا نملك قادة يوما قبل أن نُعرض للبيع بثمن بخس. لم تكن الانتفاضة الأولى قد حلت بعد لكن رجال المزرعة الشرقية وسلواد وتل العاصور كانوا ينشدون الحِداء يتزينون بالحطات والعقل ويقولون “والي بحبك ييجيلك عالقدم ماشي”.
كانت أمي متدينة منذ طفولتها فلم يكن دينها لحاقا بموجة التدين الهائلة التي أصابتنا في نهاية الثمانينات فقد ولدت لأب رفاعي عشق التصوف البعيد عن البلاهة. كانت أمي تحتفظ بجهاز تسجيل لا يمسه أحد تضعه على شباك المطبخ أو فوق الفرن حيث يلازم هذا الجهاز كاسيتا واحدا لا يفارقه… “خيا يا يوسف وصاتك أمي… أوعي يا أختي بعدي تنهمي… علشان هالوطن ضحيت بدمي… كله لعيونك يا فلسطينا”. اكتشفت لاحقا أن تدين أمي وأبيها لم يمنعهما من الغناء والإصغاء إلى النغم الصادق حين عرفت أن جدي فريد الفلاح ابن الفلاحين كان ينتظر دوره للكلام حتى في نقاشه مع أبنائه.
سمعت العاشقين منذ خُلقت لكن أغنية أخرى كانت تهزني أكثر من أغنية أمي التي لا تنقطع عن جهاز التسجيل وكأن الكاسيت لا يحمل غيرها… “خيّال ما بعد خيّال عكتفه شايل مرتينة… يقرن قوله بالأفعال ويوم العركة يلاقينا”. ترسبت كلمات العاشقين في رأسي صانعة انتفاضة في عقل صغير لا يدرك لماذا يعتبر رفع العلم الفلسطيني جرما يستدعي الاعتقال آنذاك أو على النقيض عملا بطوليا لا يجرؤ عليه إلا القلائل.
يتفق صديقي إبراهيم مع أمي على تفضيل “من سجن عكا” على أغاني العاشقين الأخرى وهو من كانت له قصة تختلف عن جميع من دُمغ على رسغه الرقم 48. في أحد ظهيرات الانتفاضة الأولى في عامها الثاني خرج إبراهيم ورمضان إلى شارع ركب بوسط رام الله متبخترين كعادة شابين في العشرين والثامنة عشرة من عمريهما يشعران بفخر إلقائهما للحجارة. وفي سيناريو متوقع هجم جنود الاحتلال نحوهما بالركل والضربات المتمرسة على الكتفين والعنق والبطن فما تحته، حتى ربطهما الجنود على مقدمة جيبهم العسكري. سار الجيب يعلو مقدمته إبراهيم ورمضان من أول شارع ركب حتى الحسبة ومجمع الباصات في أيامنا هذه دون أن يسقط حجر واحد مما أثار حالة هياج متوقعة لدى الجنود، إلا أن إبراهيم ورمضان لم يتوقفا عن الضحك. حتى هذه اللحظة ما زال إبراهيم يروي هذه القصة بكثير من ابتسامات النصر شاتما الشباب الذين لم يلقوا الحجارة مثبتين هذه التهمة عليهما. كان إبراهيم قد تحرر من الاعتقال قبل “حادثة الجيب” بأربعة شهور واعتقل بعدها ببضعة شهور أيضا. ما زال رمضان يغني لنا المثمنات الفلاحية “زرق الثعلب عالعنبات… ما خلى قطف عمه… شافته إحدى الخالات… خلي السمامة تسمه” ولما يزالان معا يترنمان على أغاني ثمانينيات الجبهة الشعبية التي ربتهما.
هكذا نحن هذبتنا الانتفاضة الأولى ورصت الشاب إلى جانب الشابة يعلمون أطفالا أغلقت مدارسهم بالقوة ويعدون الطعام لأطفال فقدوا أمهاتهم ولنساء فقدن قدرتهن على الوقوف ولرجال أعياهم الحزن ولم تترك لهم الحماسة باقتراب النصر سبيلا للراحة. هكذا كانت انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى مهدا للتعاضد الاجتماعي والوعي السياسي وفاتحة لفداء الوطن وبداية استشعار السيادة. هكذا كانت الانتفاضة الأولى تمزج النضال بالأغاني فيُزف الفدائي بأغنية ويستقبل شهيدا بأخرى.
أغاني الانتفاضة الأولى لا تليق إلا بها وصورها لا تليق إلا بشعب عمر البيوت التي هدمها الاحتلال بعد ساعات من هدمها، شعب الانتفاضة الأولى بات غريبا عنا وأضحى أسطورة لا نعي السبيل إلى تحقيقها مرة أخرى. فكيف لانتفاضة هائلة تحدد مسارها الحجارة والمقاليع أن تنتهي باتفاقية تمنع الفلسطينيين من تربية مواش ولادة لا تشتريها من إسرائيل.
رغم قسوتها إلا أن الانتفاضة الأولى مستقبلنا وطريقنا الوحيد للتحرير.
تُنشر ضمن مبادرة المدونين الشباب لإحياء ذكرى الانتفاضة الأولى بالتدوين. أدعوكم لزيارة مدونات أخرى شاركت في المبادرة:
عجبت ممن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرا سيفه
قالها أبو ذر الغفاري قبل ما يزيد عن 1400 سنة. ما أشبه الأمس باليوم فقد عجبت من نفسي كيف احتُلت مرات تلو المرات من قبل السلبية والخمول والتأجيل وانتظار الفرج. لم يأت الفرج حين تفرجتُ على التلفاز ولم يأت الناس الفرج حين صلوا النوافل ولا حين رقصوا في النوادي الليلة. خلت بيوتنا جميعا من القوت خبزا وفكرا فالقوت الذي قصده رجل عاش قبلنا بأربعة عشر قرنا ليس إلا الحرية والكرامة. لا تدع سيفك يصدأ في غمده ولا تدع نفسك تذوي في ثيابها، انهض وانزع حريتك من بين أسنان القامعين.
الخليج العربي : ساعة التحرير دقت برّه يا إستعمار
أنتج هذا الفيلم بفضل الجهود والتبرعات التي قدمها أنصار ومؤيدوا الثورة في الخليج العربي في أوروبا من عمال وطلاب عرب وأجانب.
ويشكر خاصة ” لجنة أنصار الثورة في فلسطين والخليج العربي واليمن ” في بريطانيا والاتحاد العام لعمال اليمن – فرع بريطانيا.
١٩٧١-١٩٧٤
http://web.me.com/sobhi/al-Zobaidi/انت_من_غير_نقاب_احلى.html